تحول لافت، شهدته طقوس الزواج في قطاع غزة، خلال السنوات الأخيرة، حيث تحول المهر بعد عقود طويلة كان فيها الدينار الأردني الخيار الأكثر حضورًا وقيمة، فرضت الحرب وتداعياتها واقعًا اقتصاديًا جديدًا غير قواعد التعامل، ودفع نحو اعتماد الشيكل الإسرائيلي أو الدولار الأميركي بدلًا منه.
هذا التحول لا يعكس مجرد تغيير في العملة، بل يكشف عن تصدع في منظومة القيم الاجتماعية المرتبطة بالزواج، تحت ضغط الأزمات الاقتصادية وشح السيولة، ما جعل العادات الراسخة تتراجع أمام ضرورات الواقع، هذا التباين بين التحول الاقتصادي والثقافة الاجتماعية السائدة يعكس جانبًا من التغيرات العميقة التي فرضتها الحرب على تفاصيل الحياة اليومية.
الحرب غيرت معالم الحياة
في السياق، يقول رأفت هنية 56 عامًا، إنه اضطر في زواج ابنته الأخيرة إلى استلام المهر بالشيكل “الإسرائيلي”، رغم أن الثقافة المجتمعية لعقود طويلة كانت تربط المهور وشراء الذهب بالدينار الأردني، بوصفه العملة الأكثر حضورًا وقيمة داخل غزة، موضحًا أنه قبل الحرب كانت الأعراف السائدة تنظر إلى دفع المهر بغير الدينار الأردني، مثل الشيكل أو الدولار، أمرًا غير مقبول اجتماعيًا، بل كان يُنظر إليه في بعض الأوساط باعتباره “انتقاصًا من القيمة الاجتماعية” للعروس داخل بيت الزوجية، حسب وكالة شهاب.
وتابع: “كنا نعتبرها قلة قيمة إذا دُفعت المهور بعملة غير الدينار الأردني”. ويستدرك بالقول إن الحرب غيّرت كل معالم الحياة، ولم تستثنِ حتى تفاصيل الزواج وتقاليده، إذ فرضت واقعًا اقتصاديًا جديدًا دفع الناس للتعامل بعملات لم تكن مقبولة اجتماعيًا في السابق، ما أعاد تشكيل الكثير من العادات الراسخة تحت ضغط الظروف”.
أما همام أبو ريا، والذي حالت الحرب في عام 2023 إلى تأجيل خطوبته إلى هذا العام، قال إنه اضطر لخسارة قيمة الدينار الأردني الذي قام بادخاره على مدار سنوات عمره السابقة تحضيرًا للزفاف، إذ اضطر إلى خسارة 30 في المئة من قيمة المهر من أجل تحويله إلى عملة الشيكل التي تدار بها كل المعاملات الحالية في غزة.
تحولات عميقة في بنية السوق المحلية
ويُوضح “أبو ريا” أنه صُدم بشكل كبير عندما رفض والد عروسته تلقي المهر بالدينار، وطلب منه تحويله إلى الشيكل، مضيفًا: “كانت عادة فصل المهر في ثقافة أهل غزة تدور حول تقييم قيمة المهر، لكنها في زفافي كانت يوم نقاش حافل بين عائلتي وعائلة العروس حول نوع العملة المدفوع منها المهر”.
وأشار إلى أن كافة تدخلات الوسطاء لإقناع الطرف الآخر بقبول المهر بالدينار قوبلت بالرفض، ما اضطره إلى خسارة كبيرة في قيمته من أجل تحويله إلى الشيكل.
أسواق قطاع غزة تشهد حالة اقتصادية “مقلقة” تتمثل في تراجع الثقة بالدينار الأردني، رغم أنه ما يزال أحد العملات الأساسية المتداولة إلى جانب الشيكل الإسرائيلي والدولار الأميركي. حسب تصريحات الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر لوكالة شهاب.
أضاف “أبو قمر”، أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد تذبذب طبيعي في أسعار الصرف، بل باتت أقرب إلى حالة رفض شبه جماعي لقبول الدينار في المعاملات اليومية، وهو ما يعكس تحولات عميقة في بنية السوق المحلية، مشيرًا إلى أن هذا الواقع يعكس شكلاً من أشكال الاستغلال في سوق العملات داخل قطاع غزة، حيث يُفرض عمليًا ما يشبه “عمولة تكييش” غير مباشرة، عبر خفض قيمة الدينار الأردني بنسبة تتراوح بين 30% و35% عند تحويله إلى سيولة نقدية.
غياب رقابة فعالة
ويؤكد أن هذه النسبة لا تستند إلى أي معيار اقتصادي واضح، لافتًا إلى أنه عند مقارنتها بعمولات التكييش المتعارف عليها، يتبين أنها متقاربة إلى حد كبير، ما يطرح تساؤلات حول الجهات التي تتحكم بسوق العملات والسيولة النقدية، والتي يبدو أنها تمارس التأثير ذاته في أكثر من موقع داخل المنظومة المالية.
ويضيف أنه في ظل غياب رقابة فعالة، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، ويتحمل كلفة ممارسات لا تقوم على أسس اقتصادية سليمة، ويحذّر من أن استمرار هذا الواقع يهدد القوة الشرائية لمدخرات المواطنين، خاصة أن الدينار الأردني كان يُعد تاريخيًا ملاذًا آمنًا في المعاملات الكبرى مثل شراء الأراضي والعقارات ودفع المهور.




