تشهد محافظة السويداء، جنوب سوريا، واحدة من أكثر الأزمات المركبة في البلاد، تتشابك فيها العوامل الطائفية والسياسية والإنسانية، على وقع تحولات لافتة في بنية السلطة بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024.
فعلى الرغم من دخول الدفعة الرابعة من المساعدات الإنسانية إلى المحافظة عبر ممر بصرى الشام، في مؤشر على بدء استعادة الحد الأدنى من الاستقرار، فإن هذا التحسن الظاهري لا يخفي الجراح العميقة التي خلفتها الاشتباكات الدامية التي اندلعت قبل أسبوعين بين مجموعات درزية وأخرى من عشائر البدو السنّة، وأسفرت عن مقتل 426 شخصاً، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
صراع الدرزية والعشائر
وتُظهر المعلومات الرسمية أن القوافل التي دخلت السويداء – والمقدّرة بأكثر من 90 طناً من الطحين، و85 ألف ليتر من المحروقات، ومئات السلال الغذائية والصحية – جاءت ثمرة تنسيق بين الحكومة السورية الجديدة والمنظمات الدولية والمجتمع المحلي، في محاولة لاحتواء الأزمة الإنسانية التي تفاقمت نتيجة التصعيد المسلح والتوتر الطائفي.
لكن خلف هذه الأرقام اللوجستية تكمن أزمة أكثر تعقيداً تتعلق بالهوية والمظالم المتراكمة، إذ جاءت الاشتباكات الأخيرة امتداداً لصراعات تاريخية بين بعض المكونات الدرزية والعشائر السنّية في الجنوب السوري، والتي ظلّت كامنة خلال سنوات الحرب تحت وطأة القبضة الأمنية لنظام الأسد، ثم انفجرت مع بداية التحول السياسي الأخير.
وتبدو محاولات السلطة الجديدة في دمشق لإعادة بسط الأمن عبر اتفاقات وقف إطلاق النار الأربع – والتي لم تصمد ثلاث منها – مؤشراً على هشاشة الوضع الأمني، وعدم تبلور آليات فعالة لفرض القانون بعيداً عن التحالفات التقليدية التي اعتمدها النظام السابق مع زعامات محلية وطائفية.
غياب آلية عدالة انتقالية
واللافت أن اندلاع الجولة الأخيرة من العنف جاء عقب اتهامات لمجموعة تابعة للشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز مشايخ عقل الطائفة الدرزية، بتهجير عدد من أبناء عشائر البدو وارتكاب انتهاكات بحقهم، ما أعاد إلى الواجهة قضية “العدالة الانتقائية” التي لطالما قوّضت فرص المصالحة الوطنية، ورسّخت شعوراً متبادلاً بالغبن وعدم المساواة.
وفي خضم هذا المشهد المتوتر، تسعى الإدارة السورية الجديدة إلى إرسال إشارات على جديتها في ضبط الأمن وتحقيق نوع من التوازن بين المكونات المحلية، في مسعى منها لتثبيت شرعيتها بعد مرحلة انتقالية محفوفة بالتحديات. إلا أن غياب آلية عدالة انتقالية واضحة، وعدم معالجة الجذور الاجتماعية والسياسية للصراع، يضعف من فرص نجاح هذه المحاولات على المدى المتوسط.
صراعات الهويات
إن الأزمة في السويداء لا تنفصل عن السياق السوري العام، الذي يشهد تحولات سياسية بعد انهيار حقبة الأسد، لكنها تقدم نموذجاً مصغراً لصراعات الهويات التي تفجّرت في مرحلة ما بعد الاستبداد، والتي يصعب تجاوزها دون مقاربة وطنية جامعة تتجاوز منطق الصفقات الأمنية والمساعدات الظرفية.
وإلى أن تنجح الحكومة الجديدة في صياغة هذا الإطار الجامع، ستظل السويداء – ومعها مناطق أخرى من الجنوب السوري – مهددة بانفجارات دورية، تختلط فيها الذاكرة الجمعية بالعنف الراهن، في انتظار تسوية شاملة لم تولد بعد.






