طوت الجزائر وجمهورية مالي صفحة واحدة من أعقد الأزمات الدبلوماسية في منطقة الساحل الإفريقي، بإعلان قطبي الحدود المشتركة إنهاء قطيعة دامت نحو 14 شهراً. وتمثلت الانفراجة في قرار متبادل بإعادة السفيرين إلى العاصمتين باماكو والجزائر، بالتزامن مع فتح الأجواء الجوية المغلقة أمام الملاحة المدنية والعسكرية، وهي خطوة حاسمة لإعادة التنسيق الأمني والسياسي بين بلدين يتقاسمان شريطاً حدودياً استراتيجياً يمتد لأكثر من 1300 كيلومتر.
خطوت متبادلة لإعادة التنسيق الدبلوماسي والعسكري
جاء الإعلان عن عودة العلاقات الدبلوماسية إلى مجراها الطبيعي عبر بيانين متزامنين من حكومتي البلدين دخلا حيز التنفيذ الفعلي:
مبادرة باماكو: أعلنت الحكومة الانتقالية في مالي قرارها بإعادة سفيرها فوق العادة والمفوض إلى مقر عمله بالعاصمة الجزائرية لمباشرة مهامه الرسمية. كما قضى القرار المالي بفتح المجال الجوي للبلاد أمام كافة الرحلات المدنية والعسكرية القادمة من الجزائر أو المتجهة إليها، تأكيداً على “إعادة تنشيط روابط الأخوة والتعاون التاريخي”.
الأوامر الرئاسية الجزائرية: في المقابل، أصدر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون توجيهات فورية بقضت بعودة السفير الجزائري كمال رتيب إلى العاصمة المالية باماكو. وذكرت الخارجية الجزائرية أن الخطوة تعكس حرص الرئاسة على إعادة العلاقات إلى منحاها الطبيعي القائم على الاحترام المتبادل، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة.
إنهاء حظر الطيران: تُرجم القرار ميدانياً بإعلان وزارة الدفاع الجزائرية إلغاء تعليق حركة الطيران مع الجارة الجنوبية، مشيرة إلى أن قرار فتح الأجواء أمام جميع الرحلات الدولية الرابطة مع مالي بدأ سريانه رسمياً.
Communiqué N°2026-003 du Gouvernement de la Transition relatif à la dynamisation des relations de coopération et d’amitié entre la République du Mali et la République Algérienne Démocratique et Populaire.
Bureau de l’Information et de la Presse/MAECI. pic.twitter.com/0dVkxY1hJo
— Ministère des Affaires étrangères du Mali (@MaliMaeci) July 10, 2026
أصل الأزمة.. واقعة “تين زاوتين” وحرب الأجواء المتبادلة
تعود جذور الأزمة الحادة بين الجارين إلى ربيع عام 2025، وتحديداً في السابع من أبريل/نيسان، عندما اتخذت الجزائر قراراً مفاجئاً بإغلاق أجوائها تماماً أمام الملاحة الجوية الآتية من مالي أو المتوجهة إليها، إثر تصعيد ميداني على الحدود:
إسقاط المسيّرة: جاء الموقف الجزائري الصارم حينها بعد إعلان الجيش الجزائري نجاح دفاعاته في إسقاط طائرة استطلاع مسلحة بدون طيار (مسيّرة) في الأول من أبريل 2025 قرب بلدة تين زاوتين الحدودية، مؤكداً توغلها لمسافة كيلومترين داخل السيادة الجوية للجزائر.
الرفض المالي والمعاملة بالمثل: في المقابل، نفت السلطات العسكرية الحاكمة في باماكو الرواية الجزائرية، واعتبرت استهداف الطائرة “عملاً عدائياً” تم داخل الأراضي المالية. ورد المجلس العسكري المالي فورا بإغلاق أجوائه أمام الطائرات الجزائرية تطبيقا لمبدأ المعاملة بالمثل، ليدخل البلدان في نفق قطيعة شاملة أدت إلى سحب السفيرين وتجميد التعاون الاقتصادي والأمني.
خلافات سياسية سبقت الصدام العسكري
لم يكن حادث الطائرة المسيّرة سوى القشة التي فجرت الصراع، إذ سبقت الحادثة مؤشرات توتر سياسي عميق بين البلدين؛ حيث اتخذ المجلس العسكري الانتقالي في مالي جملة من القرارات السيادية التي أثارت حفيظة الجزائر، وعلى رأسها إعلان باماكو الرسمي إلغاء العمل بـ”اتفاق الجزائر للسلام” الموقع عام 2015، والذي صِيغ برعاية جزائرية لرأب الصدع بين الحكومة المالية والحركات المسلحة في الشمال.
وتعمق الخلاف الإقليمي بعد توجيه السلطات المالية اتهامات صريحة ومباشرة للجزائر بالتدخل في شؤونها السيادية الداخلية، واستضافة شخصيات وقوى سياسية معارضة لتوجهات المجلس العسكري الحاكم في باماكو. وتفتح العودة الدبلوماسية الراهنة الباب مجدداً أمام التكهنات بشأن طبيعة التفاهمات الأمنية الجديدة التي صِيغت خلف الكواليس لإعادة ضبط استقرار منطقة الساحل الإفريقي التي تواجه تحديات أمنية متصاعدة.






