يعكس توجيه عدد من كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين السابقين في إسرائيل رسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، دعوة صريحة وغير مألوفة من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لوقف الحرب الدائرة في قطاع غزة، وهي خطوة تكشف عن تصدعات واضحة في الإجماع الإسرائيلي تجاه استمرار العمليات العسكرية، وتُبرز المخاوف العميقة لدى بعض النخب الأمنية من تبعات هذه الحرب على المدى الطويل.
مناشدة ترمب
الرسالة التي كشفت عنها صحيفة “جيروزاليم بوست” تأتي في إطار تحرك تقوده مجموعة “قادة من أجل أمن إسرائيل”، وهي منظمة معروفة بضمها مئات من القادة الأمنيين المتقاعدين الذين يشكّلون صوتًا ناقدًا للسياسات المتطرفة في إسرائيل، ويعملون على الدفع باتجاه تسويات سياسية وأمنية تقلل من المخاطر الوجودية على الدولة العبرية. انضمام شخصيات وازنة إلى هذه المبادرة، مثل تمير باردو الرئيس السابق للموساد، وعامي أيالون الرئيس الأسبق للشاباك، وماتان فيلنائي نائب رئيس الأركان السابق، يمنح الرسالة ثقلًا رمزيًا وعمليًا، لأنها تعبر عن موقف قطاعات كانت في قلب صنع القرار الأمني والعسكري.
اللافت في هذه الرسالة ليس فقط مضمونها، وإنما الجهة التي وُجّهت إليها. اختيار دونالد ترمب تحديدًا ليكون عنوان الرسالة يعكس فهمًا خاصًا لدى هؤلاء المسؤولين للدور الأميركي، أو للدقة: للدور الذي يمكن أن يلعبه ترمب وتأثيره على الرأي العام الأميركي والإسرائيلي. حيث يعد ترمب أقرب الحلفاء الذين دعموا سياسات حكومة نتنياهو دون شروط، وقد يكون له دور في التأثير عليه من موقع “الصديق” وليس “الضاغط”.
تفاقم عزلة إسرائيل
وتكشف الرسالة أيضًا عن فشل حكومة نتنياهو في إقناع كافة دوائر الدولة الإسرائيلية بجدوى الاستمرار في الحرب، فالمخاوف التي تبديها مجموعة “قادة من أجل أمن إسرائيل” ترتبط بأبعاد استراتيجية أوسع من مجرد العمليات العسكرية، إذ تنبع من قراءة ترى أن الاستمرار في الحرب يُضعف صورة إسرائيل الدولية، ويزيد من حالة الاستنزاف الداخلي، ويقوّض أي فرصة لتسوية مستقبلية تضمن أمن الدولة على المدى البعيد. هذا الموقف يتقاطع مع تقييمات مشابهة صدرت مؤخرًا عن مسؤولين في الأجهزة الأمنية، بأن الحرب لم تُحقق أهدافها الجوهرية، وأنها أفضت إلى تفاقم عزلة إسرائيل دبلوماسيًا، وتصاعد الاستقطاب الداخلي.
كذلك، من المهم قراءة هذه الرسالة في سياق الانقسام المتسع داخل النخبة الإسرائيلية بين التيار الأمني-العقلاني، الذي يرى أن الحلول السياسية ضرورية للأمن القومي، وبين التيار السياسي-الإيديولوجي، الذي يهيمن على الحكومة الحالية بقيادة نتنياهو، والذي يميل إلى الحسم العسكري والتصعيد المستمر، حتى ولو كان ذلك على حساب صورة إسرائيل الدولية أو استقرارها الداخلي.
مخاطر أكبر
لا تمثل هذه الرسالة مجرد مبادرة فردية من مسؤولين سابقين، بل تعبّر عن تيار عريض بدأ يرفع صوته في إسرائيل، محذرًا من أن الاستمرار في النهج الحالي قد يجرّ البلاد إلى مخاطر أكبر. وهي، في الوقت ذاته، رسالة مزدوجة؛ فهي موجّهة إلى الخارج، لكنّها تحمل في طياتها تحذيرًا مبطنًا للداخل الإسرائيلي، بأن سياسة الإنكار والتعنت لم تعد مجدية، وأنه لا مفر من مواجهة الحقائق الاستراتيجية بأدوات سياسية، لا عسكرية فقط.






