اعتبرت الباحثة بوني كامبل، أستاذة الاقتصاد السياسي المتقاعدة، إلى جانب موسى دومبو، أستاذ كلية العلوم الاقتصادية والإدارة بجامعة العلوم الاجتماعية في باماكو، أن الأزمة التي اندلعت مؤخرًا حول عمليات تعدين الذهب في مجمع لولو–غونكوتو تُجسّد مأزقًا أعمق يتعلق بكيفية استفادة الدول الأفريقية من مواردها الطبيعية، مشيرَين إلى أن الخلاف بين الحكومة المالية وشركة باريك ماينينغ الكندية حول الضرائب غير المدفوعة «ليس سوى مثال واحد على خلل هيكلي أكبر».
وقال الباحثان إن استئناف الأنشطة بعد أشهر من التوقف جاء على خلفية قرار السلطات المالية منع صادرات الذهب والسيطرة على ثلاثة أطنان من السبائك، موضحَين أن هذه القضية –على تعقيدها– تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول توزيع عائدات التعدين في القارة. واستشهدا بتقديرات صندوق النقد الدولي التي تُظهر أن التهرب الضريبي من قبل شركات التعدين متعددة الجنسيات يكلف الدول الأفريقية بين 470 و730 مليون دولار سنويًا من الإيرادات الضريبية.
وأضافا أن تحسين القدرة المالية للدول من خلال الضرائب على الموارد الطبيعية أمر حيوي لتحقيق أهداف التنمية والبنية التحتية والصحة في أفريقيا جنوب الصحراء، لكن عوامل عديدة تُبقي العائدات أقل بكثير من الإمكانات الحقيقية، من بينها التشريعات الخاطئة، وأسعار التحويل المضخّمة، وممارسات تحويل الأرباح، إلى جانب الحوافز المالية المفرطة التي تُمنح لجذب المستثمرين، والتي غالبًا لا تعود بالنفع على المالية العامة.
وأشار الباحثان إلى أن الامتيازات الواسعة الممنوحة للشركات الأجنبية أدّت إلى «استياء وفقر وتخلف» في دول غنية بالثروات المعدنية، وهو ما دفع الاتحاد الأفريقي إلى صياغة رؤية جديدة لقطاع التعدين تهدف إلى ضمان مساهمة الموارد في التنمية المستدامة. لكنهما أكدا أن «اختلال ميزان القوة» بين الحكومات والشركات لا يزال قائمًا، ما يحدّ من قدرة الدول على التفاوض العادل بشأن القوانين والعقود.
وأوضحا أن تأثير هذا الاختلال يظهر في ممارسات مثل تمديد بنود الاستقرار التعاقدي رغم الإصلاحات، وتغليب العقود الخاصة على الأطر الوطنية، بينما تواجه الدول أيضًا قيودًا دولية ناتجة عن نظام التجارة العالمي والاتفاقيات الثنائية التي تحد من قدرتها على فرض سياسات تعود بالنفع على مجتمعاتها.
قانون مالي للتعدين: خطوة إصلاحية تواجه مقاومة
وقال الباحثان إن قطاع التعدين يُعد ركيزة أساسية لاقتصاد مالي، إذ ساهم في عام 2022 بنسبة 9.2% من الناتج المحلي الإجمالي، و76.5% من عائدات التصدير، و34.8% من إيرادات الدولة. وفي هذا السياق، جاء قانون التعدين الجديد لعام 2023 ليعالج مشكلات مزمنة تتعلق بتراجع العائدات والأضرار البيئية، في إطار إصلاحات مشابهة لتلك التي تبنّتها دول مثل تنزانيا وزامبيا والكونغو الديمقراطية.
وأضافا أن القانون الجديد رفع نسب ملكية الدولة في مشاريع التعدين (بين 10% و30%)، وزاد الإتاوات والضرائب، وفرض محتوى محليًا أعلى، وعزّز مسؤولية الشركات تجاه المجتمعات، وألغى امتيازات ضريبية واسعة كانت تتمتع بها الشركات الأجنبية. كما أدخل رسومًا على الإنتاج بنسبة 10% على الكميات التي تفوق التوقعات، وأنشأ صناديق لدعم التنمية والاندماج الاجتماعي.
وأشارا إلى أن إحدى أهم الابتكارات هي اعتماد قانون المحتوى المحلي في قطاع التعدين، الذي يهدف إلى زيادة مشاركة الشركات والعمال الوطنيين. لكن هذه الإصلاحات واجهت –بحسبهما– مقاومة شديدة من الشركات الكبرى، مثل باريك ماينينغ، ما أدى إلى «تصعيد الصراع بدلًا من بناء حلول تفاوضية».
ورغم ذلك، أكدا أن شركات أخرى –مثل روبكس ريسورسز، وإنديفور ماينينغ، وفابولا جولد، وباجاما ماينينغ– توصلت إلى اتفاقيات جديدة للعمل وفق القانون، وهي خطوات تُظهر إمكانية نجاح الإصلاحات وتوفر فرص عمل مهمة في المناطق الريفية.
سيادة مسؤولة على الموارد
وقال الباحثان إن بعض الأصوات تنتقد هذه الإصلاحات بوصفها «تأميمًا للموارد»، لكن الأدلة تُظهر أن إدارة العائدات بشكل شفاف ومستقر يمكن أن يُحسّن الوصول إلى الصحة والخدمات الاجتماعية في دول مثل مالي والسنغال، معتبرَين أن السعي نحو سيادة أكبر على الموارد «أقرب إلى قومية مسؤولة» تهدف إلى ضمان رفاه المواطنين.
وأضافا أن مالي تواجه تهديدات أمنية وعسكرية خطيرة، ما يجعل قطاع التعدين قادرًا على لعب دور محوري في توفير وظائف وإيرادات تُسهم في تعزيز الاستقرار. وشدّدا على أن نجاح هذا الدور يتطلب التزام الشركات باللوائح المحلية ودفع حصتها العادلة من الضرائب، لأن ربحية القطاع ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.






