سناء محيمدي – في لحظة سورية فارقة، تعود موسكو إلى خارطة دمشق لتعيد ترتيب أولياتها وإعادة تموضعها بفتح قنوات اتصال بقيادات الإدارة السورية الجديدة، ليرجع الروس من نقطة الشراكة الاستراتيجية، وتجاوز إرث اتفاقات النظام القديم، في خطوات حذرة لصياغة تفاهمات أكبر خلف الأبواب المغلقة على أنقاض نظام الأسد.
أشهر قليلة مرت على سقوط حليف الكرملين بشار الأسد، جرت أثناءها مياه كثيرة بالمشهد السوري، وغاب الروس عن الملف الأبرز بالمنطقة على الرغم من الزخم الدبلوماسي وتدافع العواصم على أبواب دمشق والتي تحولت في بعض الأحيان إلى “بؤرة اشتباك مفتوحة” لإعادة رسم خارطة النفوذ بما يُناسب محيط سوريا الجديد.
وسط هذا المشهد، اكتفى الكرملين بمراقبة “اللحظة السورية” وما ترتب عنها من تغير خرائط الحصص والتحالفات بعد انحسار دور “محور آستانة”، ولم يبد “سيد الكرملين” موقف محدد حيال الوضع الجديد في سوريا.
لم يدم طويلا حياد الروس، إذ أرسلت موسكو إشارات واضحة إلى اللاعبين الجدد بسوريا في محاولة لإذابة الجليد بين الجانبين، وأطلق مسار التفاوض حول ترتيب جديد للعلاقة خلال زيارة ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية ومبعوث الرئيس الروسي إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لدمشق كانت الأولى لمسؤول روسي بعد الإطاحة بحليفهم الأسد.
مفاتيح الساحل السوري
منذ تصدره المشهد السوري، تعامل أحمد الشرع مع “الملف الروسي” بحذر وتريث، وطالب الروس بتسليم الأسد ورفع الغطاء عن زمرة من رموز نظامه، في إطار مبدأ دعم العدالة الانتقالية وإعادة الأموال المنهوبة إلى سوريا التي تنزف من حكم نصف قرن استنفذ “دم شعبه”، غير أن الروس قدموا جوابهم الحازم بهذا الشأن وأن روسيا ستحتضن “الأسد” بصفته لاجئا إنسانيا لا غير.
بالمقابل، أبدت دمشق استعدادها لمناقشة أسس جديدة للوجود العسكري الروسي في قاعدتي “حميميم” الجوية و”طرطوس” البحرية، مع احتمالية تقديمها دعما عسكريا لقصر الشعب.
ربما في البداية لم تحسم أمور كثيرة بين الطرفين، لكن الحوادث الأمنية التي هزت الساحل السوري أولا ومن بعدها الجنوب، مع تزايد القلق من حقل ألغام الطائفية الذي نثر الإسرائيليون بذوره بطريق السوريين، دفع بالشرع وإدارته إلى إعادة تقييم علاقات “قصر الشعب” بالكرملين الروسي لمنع انفجار واسع النطاق يصعب احتواؤه في الداخل السوري.
ليس خافيا أن مستقبل القواعد الروسية في سوريا، يعد من الملفات البارزة بحقيبة الشيباني ووزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، في جولته القصيرة بموسكو، وحل هذه النقاط الخلافية سيزيل مرحلة التوتر الصامت بين الجانبين لتسريع عجلة تفكيك العلاقات بطريق بوتين والشرع.
فروسيا التي حافظت على وجود عسكري طويل الأمد في “سوريا الأسد” حيث تدير قاعدتين استراتيجيتين وهما قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية، وقاعدة طرطوس البحرية على الساحل السوري.
قاعدة طرطوس تحديداً هي الميناء البحري الوحيد لروسيا في البحر المتوسط، وقد منحتها دمشق لموسكو منذ عام 1971 في عهد حافظ الأسد، وأصبحت ورقة موسكو المهمة في المتوسط، لمراقبة التحركات البحرية لحلف الناتو، وتُعد نقطة انطلاق حيوية لدعم نفوذ روسيا المتصاعد في القارة الإفريقية.
أما قاعدة حميميم الجوية، فقد طالتها اليد الروسية في عام 2015، حين حصلت موسكو من نظام بشار الأسد على إذن باستخدامها، لتصبح القاعدة غرفة عمليات مركزية للقوات الروسية، تدير منها موسكو ضرباتها الجوية وتنسق وجودها العسكري على الأرض، لتعكس موطئ قدم إستراتيجي دائم لها في شرق المتوسط.
فمع تغير المزاج الأمني والسياسي بالساحة السورية، لم يعد مجديا أمام حكومة دمشق التغاضي عن “دعم روسي” بعد تزايد الضغوطات الداخلية والخارجية والدفع نحو عجلة التقسيم عبر بوابة الفدرالية، بخاصة وأن الأمريكي يضغط باتجاه احترام حقوق الأقليات وضمان التعددية في سوريا الجديدة.
تحالف الضرورة
ليس ترفا أن يطرق الشرع أبواب الكرملين لصياغة تفاهمات جديدة بل هو مجبر على السير نحو تطبيع العلاقات مع روسيا، فبزيارة الشيباني إلى موسكو على رأس وفد رفيع المستوى، تعمل دمشق على بعث رسائلها الخاصة داخل وخارج سوريا مفادها أن السلطة الحالية مازالت لاعبا هما في الجغرافيا السورية وبتقاربها مع الدب الروسي ستقطع الطريق أمام محاولات بعض الأجنحة والفصائل التي تبحث عن دعم خارجي لتثبيت مواقعها في الملعب السوري.
تهمس تقارير أن زيارة الشيباني الأخيرة إلى موسكو تأتي في إطار ترتيبات الدعم العسكري لدمشق بالتزود بالسلاح والعتاد والخبراء العسكريين بخاصة مع وجود قواعد عسكرية للروس في الساحل السوري والتي تعد أهم استثمار لموسكو تثبت موطئ قدم لها في المياه الدافئة.
يدرك الروسي بدوره أهمية “تحالف الضرورة” مع القيادة السورية الجديدة انطلاقاً من مبدأ ضمان مصالحه، في مساعيه لاستعادة ثقله كلاعب قوي في المعادلة السورية خصوصا بعد أن قامت الحكومة السورية الجديدة بإلغاء اتفاقية وُقعت بين الشركة الروسية (STG) والنظام السوري عام 2019 تسمح لموسكو باستثمار وتشغيل مرفأ طرطوس لمدة 49 عاما،
من المؤكد أن التدخل المباشر لإسرائيل في جبهة السويداء، عجل بإعادة خطوط التواصل بين دمشق وموسكو، فالتفاؤل السوري بموقف موسكو من التدخلات الإسرائيلية بالجنوب السوري لإعادة رسم خارطة التوازن وبالتالي يمنع هيمنة المعسكر الغربي على الوضع في سوريا.
انفتاح دمشق على موسكو يأتي في إطار تغير بوصلة الشرع السياسية بعد الاهتزازات الأمنية التي طالت الرقعة السورية، وأملته أجندات واقع سوريا الجديد مهد بالتالي لإعادة الدب االروسي إلى دائرة التأثير لضبط اللعبة السورية بتحالف قد ينقذ السيادة والاقتصاد في لحظة إقليمية معقدة يشير إلى أن المشروع الروسي بسوريا لم يغلق بعد.






