تعيش الساحة السياسية اللبنانية حالة من الغليان عشية الزيارة المرتقبة للموفد الأميركي توماس برّاك، المقررة في النصف الثاني من الشهر الجاري. الأزمة تفجّرت بعد قرار الحكومة وضع جدول زمني لسحب سلاح «حزب الله»، ما أدى إلى انسحاب الوزراء الشيعة من جلسة مجلس الوزراء، وفتح الباب أمام سلسلة ردود فعل حادة.
مصادر وزارية كشفت أن هناك اتصالات مكثفة بين مختلف الأطراف، بهدف تهدئة الأجواء ومنع التصعيد الذي قد يجر البلاد إلى مواجهة سياسية أوسع.
وأكدت أن المساعي تتركز على إعادة وصل ما انقطع بين المكونات السياسية، والبحث عن صيغة تحفظ التوازنات الداخلية.
جسر تواصل بين بعبدا وعين التينة
رغم حدة المواقف، أظهرت المعطيات استمرار قنوات الاتصال بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري. مصادر نيابية أوضحت أن بري لم يغلق خطوطه مع أحد، وأن اجتماعاً قريباً بينه وبين الرئيس عون بات مطروحاً على الطاولة، في محاولة لرسم خريطة طريق تُجنّب لبنان مزيداً من التوتر.
موقف «حزب الله» جاء واضحاً وحاسماً، برفض أي مساس بسلاحه أو وضعه تحت جدول زمني للسحب. النائب إيهاب حمادة، أحد أبرز وجوه الكتلة البرلمانية للحزب، هاجم قرار الحكومة واعتبره «ضرباً للميثاقية»، متوعداً بأن «الشعب سيسقطها قبل الانتخابات المقبلة». وأطلق رسالة تحدٍ قائلاً: «لن نسلم إبرة من السلاح، وهذا المشروع محكوم بالفشل».
زيارة برّاك.. اختبار جديد للحكومة
الزيارة المرتقبة للموفد الأميركي تضع الحكومة اللبنانية أمام تحدٍ دبلوماسي حساس، إذ يُتوقع أن تحمل أجندة برّاك رسائل مباشرة حول ملف السلاح ودور «حزب الله» الإقليمي.
مصادر سياسية ترى أن واشنطن تراقب عن كثب التطورات، وأن نتائج الاتصالات الداخلية قد تحدد لهجة النقاش مع الموفد الأميركي.
المشهد الراهن يعكس أزمة ثقة عميقة بين الأطراف، وسط خشية من أن تتحول الأزمة الحالية إلى صراع سياسي طويل الأمد.
ويرى محللون أن أمام القوى السياسية خيارين لا ثالث لهما: إما التوصل إلى تسوية تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف قبل وصول برّاك، أو الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة تزيد من عزلة لبنان الخارجية وتفاقم أزماته الداخلية.
خلفيات الأزمة: تراكمات سنوات من الجدل
ملف سلاح «حزب الله» ليس وليد اللحظة، بل يمثل أحد أعقد القضايا الخلافية في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية. على مدى السنوات الماضية، ظل الحزب يعتبر سلاحه «جزءاً من منظومة الدفاع الوطني»، فيما ترى قوى أخرى أن هذا السلاح خارج إطار الدولة، ويشكل عائقاً أمام استعادة السيادة الكاملة. الأزمة الحالية تأتي في لحظة سياسية حساسة، ما يزيد من تعقيد أي محاولة للتسوية.
تطورات المشهد اللبناني لم تعد شأناً داخلياً بحتاً، إذ تتابع العواصم الغربية والعربية مسار الأزمة، في ظل مخاوف من انعكاساتها على الاستقرار الإقليمي. مصادر دبلوماسية تشير إلى أن واشنطن وباريس تضعان ملف السلاح على رأس أجندة تحركاتهما، مع ربط أي دعم اقتصادي أو سياسي للبنان بمدى التزامه بخطوات إصلاحية واضحة.
انعكاسات على الاقتصاد الهش
الأزمة السياسية تضيف طبقة جديدة من الضغوط على الاقتصاد اللبناني، الذي يرزح أصلاً تحت عبء الانهيار المالي. أي توتر أمني أو سياسي جديد قد ينعكس مباشرة على قيمة العملة المحلية، ويؤخر جهود إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات. خبراء يحذرون من أن استمرار الأزمة قد يُفقد لبنان ما تبقى من الثقة الدولية في مؤسساته.
انفجار منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب، والذي أصيب فيه عسكريون لبنانيون، أعاد تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني في هذه المنطقة. الحادثة أثارت تساؤلات حول طبيعة الأنشطة العسكرية، ومدى قدرة الدولة على فرض سلطتها الكاملة على الأراضي الحدودية، خصوصاً في ظل التوتر مع إسرائيل.
زيارة برّاك.. بين الضغوط والتوقعات
التحركات الدبلوماسية قبيل زيارة الموفد الأميركي تعكس إدراك الأطراف اللبنانية لخطورة المرحلة المقبلة. مصادر مطلعة تتوقع أن يحاول برّاك الدفع نحو صيغة «تدرجية» لمعالجة ملف السلاح، مع تقديم حوافز سياسية واقتصادية مقابل التزامات واضحة من الحكومة.
لكن نجاح هذه المقاربة يظل مرهوناً بمدى استعداد «حزب الله» للتجاوب، وهو ما يبدو حتى الآن مستبعداً.






