إعلان بتسلئيل سموتريتش عن “خطة السيادة” يعكس انتقال اليمين الإسرائيلي من مرحلة الخطاب الغامض إلى محاولة فرض وقائع سياسية وجغرافية جذرية على الأرض. مضمون الخطة ليس جديداً من حيث الجوهر، لكنه يأتي هذه المرة في إطار أكثر وضوحاً وتفصيلاً: فرض القانون الإسرائيلي على 82% من الضفة الغربية، وتحويل 18% المتبقية إلى جيوب فلسطينية معزولة بلا سيادة، تحت شعار ديمغرافي قديم يتجدد اليوم “أقصى مساحة أرض مع أقل عدد من العرب”. هذا الطرح ليس مجرد مناورة سياسية أو دعاية انتخابية، بل خطوة تصعيدية مرتبطة بتحولات داخلية وخارجية تدفع اليمين إلى تسريع مشروعه.
معسكر الصهيونية الدينية
الخطاب الذي قدمه سموتريتش لم يكن فقط استعلائياً بل تحدياً مباشراً لحكومة نتنياهو نفسها، إذ خاطب رئيس الوزراء بدعوة صريحة لتسجيل اسمه في التاريخ كزعيم “عظيم” عبر اتخاذ قرار الضم. بهذا المعنى، لا يتحدث سموتريتش كوزير مالية، بل كزعيم فعلي لمعسكر الصهيونية الدينية الذي يحاول جر الحكومة إلى مربع “الضم أولاً” بوصفه أولوية قومية تفوق كل الملفات الأخرى. وبذلك، يفرض على نتنياهو التموضع في خانة الدفاع أو التبرير، بينما يكسب هو نقاطاً إضافية أمام جمهوره، ويعيد رسم ميزان القوى داخل الائتلاف.
الخطة تحمل بعدين أساسيين: الأول عملي يتمثل في الدفع نحو مشاريع استيطانية ضخمة مثل “إي 1” الذي يهدف إلى ربط القدس بمستوطنات الضفة الشرقية وقطع أوصال الجغرافيا الفلسطينية، والثاني رمزي يتمثل في خريطة ضم تكاد تشمل كامل الضفة باستثناء مدن كبيرة مثل رام الله ونابلس. من الناحية الديمغرافية، هذا يعني وضع أكثر من ثلثي الفلسطينيين في الضفة تحت إدارة أمنية إسرائيلية مباشرة، مع ترك هامش إداري محدود للسلطة الفلسطينية أو هيئات بلدية منزوعة الصلاحيات، بما يحوّل الفلسطينيين إلى سكان بلا حقوق سياسية حقيقية.
تهديد استراتيجي
الانتقادات داخل إسرائيل نفسها، مثل توصيف العقيد الاحتياط شوئيل أريئيلي للخطة بأنها “خريطة كرتونية” من عالم الخيال، تعكس إدراكاً بأن الطرح غير قابل للتطبيق القانوني أو السياسي. لكنه، رغم ذلك، يكتسب زخماً بفعل كونه يعبر عن عقيدة واضحة لليمين المتطرف: السيطرة على الأرض، تفتيت الوجود الفلسطيني، وإنهاء أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة. بمعنى آخر، حتى لو بدت الخطة مبالغاً فيها، فإنها تؤسس لخطاب يسهّل اتخاذ خطوات جزئية تدريجية تقرّبها من الواقع.
الظرف الدولي يزيد من خطورة التوقيت، إذ تتزامن هذه الخطة مع موجة اعترافات متوقعة بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة من دول كبرى مثل فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا. هذا التطور، الذي يُنظر إليه في إسرائيل على أنه تهديد استراتيجي، يدفع اليمين إلى محاولة قطع الطريق عبر فرض ضم أحادي الجانب يجعل من الاعتراف الدولي بلا جدوى عملية. وبذلك، تتحول الخطة إلى أداة سياسية مزدوجة: داخلية لكسب الجمهور اليميني، وخارجية لمواجهة الضغوط الدولية.
إقليمياً، يهدد المشروع بتفجير شبكة العلاقات التي بنتها إسرائيل مع عدد من الدول العربية. فضم الضفة – حتى بشكل جزئي – سيُفسَّر على أنه إنهاء رسمي لحل الدولتين وتقويض مباشر لمعادلة “السلام مقابل التطبيع” التي قامت عليها الاتفاقات الإبراهيمية. هذا ما يفسر التحذيرات الإماراتية العلنية الأخيرة، والتي قد تتوسع لتشمل دولاً أخرى مثل البحرين والمغرب والأردن ومصر. أي خطوة من هذا النوع قد تدفع إسرائيل إلى عزلة متجددة شبيهة بما عاشته بعد 1948.
مشروع التهجير التدريجي
أما فلسطينياً، فإن الخطة تمثل نقلة نوعية في مشروع التهجير التدريجي. فهي تؤسس لواقع “الكانتونات” المحاصرة، وتضع نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في جزر معزولة لا تملك مقومات السيادة أو التواصل الجغرافي. هذا النموذج يفتح الباب أمام موجات هجرة قسرية ناعمة، عبر الضغط المعيشي والأمني، وصولاً إلى تقليص الوجود الفلسطيني تدريجياً، بما يتماشى مع ما يصفه خبراء فلسطينيون بالعقيدة التوسعية – الإحلالية للصهيونية.
في المحصلة، يمكن القول إن “خطة السيادة” ليست مجرد خريطة رمزية أو ورقة ضغط داخلية، بل تجسيد لرؤية يمينية متكاملة تسعى إلى استثمار اللحظة الراهنة – من دعم أميركي غير مسبوق، وانقسام فلسطيني داخلي، وارتباك دولي – لفرض وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلاً. التحدي الأكبر يكمن في أن هذه الخطة إذا ما وجدت طريقها إلى التنفيذ، ولو جزئياً، فإنها لن تطيح فقط بإمكانية قيام دولة فلسطينية، بل ستعيد فتح الصراع على أسس أكثر حدة، وتدفع المنطقة كلها إلى مرحلة جديدة من المواجهة السياسية وربما الأمنية.






