يشهد الشرق الأوسط، تحولات سياسية متسارعة، دفعت الخليج للتحرك من أجل تخفيف وطأة الصراع، وتجنب الوصول إلى مرحلة الانفجار، التي قد تؤدي إلى مصير مجهول لدول المنطقة. وتعد السعودية لاعباً محورياً، يسعى لإعادة رسم ملامح التوازنات الإقليمية، عبر الانخراط الفاعل في أزمات معقدة تمتد من السودان إلى اليمن.
ومع تصاعد الجمود في الملف السوداني، واتساع رقعة التوترات في اليمن، تتجه الرياض نحو توسيع نطاق دبلوماسيتها متعددة المسارات، مستندة إلى شبكة من الشراكات الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
مباحثات أميركية سعودية
وجاءت آخر التحركات، المباحثات التي أجراها الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، لمناقشة المستجدات الإقليمية والدولية، والجهود المبذولة بشأنها. وذكرت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، أن الوزير روبيو بحث مع الأمير فيصل بن فرحان التطورات في اليمن، والحاجة الملحة إلى دفع جهود إحلال السلام في السودان.
وأضاف البيان أن وزير الخارجية الأميركي رحَّب، في محادثته مع نظيره السعودي، بنتائج زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، الأخيرة إلى واشنطن «التي أكدت قوة الشراكة» بين البلدين.
أهمية استقرار السودان المطل على البحر الأحمر
تُدرك السعودية أن استقرار السودان، المطل على البحر الأحمر، يشكل عنصراً جوهرياً في معادلة الأمن الإقليمي، نظراً لموقعه على ممر تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والاقتصاد والجغرافيا السياسية. وعلى المستوى الاقتصادي، يمثّل البحر الأحمر شرياناً حيوياً لمشاريع رؤية السعودية 2030، من تجارة النفط إلى الاستثمارات الصناعية والسياحية على الساحل الغربي، وصولاً إلى دوره في ربط المملكة بالأسواق العالمية عبر الموانئ والمناطق الاقتصادية الحديثة.
وحسب بي بي سي، تأتي الخطوة السعودية في سياق رغبة الرياض في اعتماد استراتيجية مزدوَجة تتمثّل في: تعزيزِ شرعية دورها الدولي والإقليمي كجهة قادرة على إدارة أزمات المنطقة من جهة، ومنحٍها أداة ضغط إضافية للتفاوض مع أبو ظبي من جهة ثانية، بما يضمن مصالح المملكة بعيداً عن فلك الإمارات المتّهمة من قبل الجيش السوداني بدعم قوات الدعم السريع رغم نفيها المتكرّر، إلا أن قراءات أخرى لا تضع الموقف السعودي الأخير في هذه الخانة.
زيارة بن سلمان لأميركا وملف السودان
وعلى هذا الأساس، يتجاوز التحرّك السعودي حدود التعامل مع أزمة بعينها، ليبرز كتعبير عن توجّه استراتيجي أعمق نحو صياغة دور جديد للمملكة، عبر تبني “دبلوماسية شبكية” قائمة على تعدّد قنوات التواصل وتعزيز مكانتها كجسر بين القوى الدولية والفاعلين الإقليميين.
وتعقيبًا على الدور السعودي في حل الأزمة السودانية، أكد رئيس تحرير صحيفة التيار السودانية، عثمان ميرغني، أن الزيارة التي قام بها ولي العهد السعودي إلى البيت الأبيض، نوفمبر الماضي سبقتها تسريبات تفيد بأن محمد بن سلمان يعتزم طرح الملف السوداني أمام ترامب ومنحه أولوية خاصة، في محاولة لتحريك الجمود القائم. بي بي سي.
وأشار إلى أن هذا التوجّه يأتي رغم تعدّد الوساطات والمداولات السابقة، بما فيها تلك التي شاركت فيها الولايات المتحدة، من دون إحراز أي تقدّم ملموس خلال السنوات الماضية، على حدّ تعبيره.
هل الإمارات أحد العقبات في الأزمة السودانية؟
في السياق ذاته، أوضح رئيس تحرير صحيفة التيار السودانية، عثمان ميرغني، أن السعودية تسعى لحل الأزمة السودانية عبر الوسائل المتاحة حالياً، ومن بينها مبادرة الدول الأربع الأعضاء في اللجنة الرباعية، معتبراً أن جهود هذه الدول تصب في صالح الملف السوداني وقد تؤدي إلى إيجاد حلّ للأزمة.
ورداً على سؤال لبي بي سي عما إذا كان الطلب السعودي من واشنطن بالتدخل في الأزمة السودانية يترجم رغبة سعودية بتحييد بعض الأطراف عن الملف السوداني ومن بينها الإمارات، أشار ميرغني، إلى أن استبعاد بعض الدول من اللجنة، في إشارة إلى الإمارات، قد يشكل عائقاً أمام التوصل إلى اتفاق بدلاً من تسريع العملية السياسية.
وأضاف أن الدور السعودي يقتصر على تسريع عملية التعامل مع الأزمة ورفع مستوى الجهات المسؤولة عن إدارتها، بهدف التوصل إلى حل سريع. وتوقع أن يكون هذا التحرك مبنياً على خارطة الطريق المتفق عليها بين دول اللجنة الرباعية، التي تتضمّن هدنة لمدة ثلاثة أشهر، تليها عملية سياسية تمتد لتسعة أشهر، معتبراً أنها الخطة الوحيدة المطروحة للتعامل مع الأزمة السودانية. كما توقّع ميرغني أن تلقى هذه المبادرة مزيداً من الاهتمام من الجانب الأمريكي في المرحلة المقبلة.
فيما استبعد الكاتب السعودي عبد العزيز منيف بن رازن، وجود أي خلافات بين الرياض وأبوظبي بخصوص السودان، على الرغم من وجود ما سماها «تباينات في وجهات النظر التي لا ترقى إلى مستوى الخلافات».
مبادرة خليجية جديدة لإنقاذ اليمن
وفي السياق ذاته، أكد مسؤول إماراتي، أن موقف الإمارات من الأزمة اليمنية منسجم تماماً مع الموقف السعودي، مشيراً إلى دعم مسار سياسي تقوده مبادرة خليجية جديدة، وتحميل اليمنيين وحدهم مسؤولية إدارة شؤون بلدهم ووحدة أراضيه، حسب وكالة رويترز.
هذا التصريح، الذي جاء وسط موجة من التوترات العسكرية غير المسبوقة في حضرموت والمهرة وشبوة، يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأزمة اليمنية، وضرورة توحيد الصفوف لمواجهة المشروع الحوثي الإيراني الذي يستغل هذه الانقسامات لتعزيز موقعه وتوسيع نفوذه.
وشهدت المحافظات الشرقية خلال الأيام الماضية تطورات دراماتيكية غيرت خارطة السيطرة العسكرية بشكل جذري، حيث سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي على مناطق استراتيجية واسعة في حضرموت، أكبر محافظات اليمن، التي تمتلك ثلث مساحة البلاد ونحو ثمانين بالمائة من الثروة النفطية.
امتدت السيطرة لتشمل مدن سيئون والمكلا وتريم في حضرموت، ثم توسعت شرقاً نحو محافظة المهرة الاستراتيجية على الحدود العمانية، حيث تسلمت قوات الانتقالي القصر الجمهوري بمدينة الغيضة، وميناء نشطون الاستراتيجي، والمواقع العسكرية الحيوية. في محافظة شبوة، تسلمت القوات الجنوبية مهام حماية منشأة العقلة النفطية، في تطور يعكس إعادة ترتيب موازين القوى في منطقة تنتج جزءاً كبيراً من النفط اليمني.
رؤية خليجية موحدة تجاه اليمن
هذه التطورات دفعت رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إلى المغادرة العاجلة من عدن نحو المملكة العربية السعودية لإجراء مشاورات إقليمية ودولية حول الأزمة، في حين غادر معظم أعضاء الحكومة العاصمة المؤقتة، ما يعكس هشاشة المؤسسات الوطنية.
يحمل التصريح الإماراتي لوكالة رويترز عدة دلالات بالغة الأهمية، يحللها محللون سياسيون ومختصون في الشأن اليمني. ووفقا لرويترز، يرى محلل سياسي بارز، أن تأكيد التنسيق مع السعودية يشير إلى رؤية خليجية موحدة تجاه اليمن، بعد فترة من الاختلاف في الأولويات والتكتيكات، هذا التوافق، إن تحقق فعلياً على الأرض، قد يمثل نقطة تحول مهمة في معالجة الأزمة اليمنية المتشعبة.
يضيف المحلل أن الإشارة إلى مبادرة خليجية جديدة تطرح تساؤلات حول معالمها وآلياتها، خاصة في ظل فشل المبادرات السابقة في تحقيق السلام المستدام. وأوضح أن المطلوب اليوم ليس مبادرة جديدة فحسب، بل رؤية شاملة تعالج جذور الأزمة وتضع حداً للمشروع الحوثي التوسعي الذي يهدد أمن المنطقة بأسرها.






