رغم مرور أيام على إعلان وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الحكومية من محافظة السويداء، فإن أجواء التوتر الأمني ما تزال تخيم على المدينة، التي باتت تُوصف بـ”المنكوبة” بعد مواجهات دامية بين مكونات محلية كان يفترض أن تكون بمنأى عن التصعيد. لكن ما جرى كشف عن هشاشة السلطة المركزية واتساع الهوة بين الدولة والمجتمع، في مشهد يعيد إلى الأذهان بدايات الحرب السورية، حينما كانت النزاعات الأهلية تتغذى من الانقسامات العرقية والطائفية.
نزاع درزي–بدوي يتحول إلى صراع أهلي مفتوح
اندلعت شرارة الاشتباكات الأخيرة يوم الأحد، عندما تدخلت وحدات من الجيش السوري للفصل بين مجموعات درزية وأخرى من البدو السنة، في محاولة لمنع تفاقم النزاع. إلا أن هذا التدخل جاء بنتائج عكسية، إذ أجج التوتر بدلًا من احتوائه، خاصة بعد انسحاب القوات لاحقًا وترك المدينة تغرق في فوضى السلاح والدمار.
المواجهات توسعت بسرعة، خصوصًا مع دخول عشائر بدوية من خارج محافظة السويداء على خط القتال، ما منح الصراع أبعادًا قبلية وطائفية تتجاوز الحدود الجغرافية للمنطقة. ومما زاد من تعقيد الوضع أن العنف لم يعد مقتصرًا على خلاف محلي، بل أصبح مرتبطًا بصراع هويات وولاءات تتغذى من تفكك الدولة.
عسكرة المجتمع المحلي: حين يصبح السلاح أداة بقاء
يرى مراقبون أن ما يجري في السويداء ليس حدثًا عابرًا، بل هو تتويج لمسار طويل من التسلح المجتمعي غير الرسمي، بدأ يتبلور خلال السنوات الماضية في ظل الغياب المستمر لأجهزة الدولة وفقدان الثقة بقدرتها على الحماية.
فالسلاح، الذي ظل حبيس المنازل والمضافات لعقود، خرج اليوم إلى العلن وبات يشكّل العمود الفقري لتشكيلات محلية أشبه بميليشيات مدنية، تنظم نفسها وفق منطق الدفاع الذاتي. هذه التشكيلات، ومع أنها غير موحدة في بنيتها أو مرجعيتها، إلا أنها تتقاطع عند نقطة واحدة: رفض الهيمنة الأمنية من خارج المحافظة، ومقاومة أي تهديد وجودي داخلي.
هشاشة السيطرة الحكومية: من الحياد إلى الغياب
السويداء، التي ظلت لسنوات تعيش على هامش الحرب السورية بهدوء نسبي، تبدو اليوم في قلب عاصفة أمنية تهدد بانفلات شامل. إذ أن انسحاب القوات الحكومية، بدل أن يكون مؤشرًا على نجاح التهدئة، أظهر مدى هشاشة سيطرة النظام على الجغرافيا السورية، حتى في المناطق التي لم تكن تعدّ “عدوة تقليدية” له.
وبينما كانت القوات النظامية تمارس دورًا رمزيًا في المحافظة، يبدو أن هذا الدور قد انكسر بالكامل، ما يفتح الباب أمام مزيد من المبادرات المحلية التي قد تتطور إلى كيانات مستقلة تفرض أمنها وحدودها بالقوة.
توافد العشائر: صراع النفوذ بين الولاءات المتضاربة
نقلت وكالة “فرانس برس” عن شهود عيان ومراسلين محليين أن مقاتلين من العشائر السنية وصلوا إلى أطراف السويداء من مناطق مختلفة داخل سوريا، بهدف مؤازرة البدو في المواجهات. هذا التدفق يعكس إلى حد بعيد أن ما يحدث لم يعد مجرد حادثة أمنية، بل ساحة مواجهة إقليمية صغيرة ضمن الجغرافيا السورية، يحركها التنافس بين الشبكات العشائرية والطائفية، ويغذيها غياب المشروع الوطني الموحد.
وتعيد هذه التحركات إلى الواجهة المخاوف من أن تتحول السويداء إلى نسخة جنوبية من مشاهد الفوضى التي ضربت درعا أو دير الزور، حيث تحولت الصراعات بين الجماعات المسلحة إلى ما يشبه الحرب الدائمة، في ظل عجز الدولة عن فرض سلطتها، وتورط الفاعلين المحليين في تحالفات متغيرة ومعقدة.





