بعد أيام فقط من توقيع الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، ظهرت أولى مؤشرات التعثر مع إعلان سويسرا تأجيل المحادثات الفنية التي كان من المقرر أن تجمع الطرفين في منتجع بورغنستوك، وسط غموض بشأن موعد جديد لانعقادها.
وجاء القرار بعد إلغاء نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس زيارته المقررة إلى جنيف، وهو ما أثار تساؤلات حول قدرة الاتفاق على الصمود والانتقال من مرحلة التفاهم السياسي إلى التنفيذ العملي.
ورغم تأكيد واشنطن وبرن استمرار الأعمال التحضيرية، فإن التأجيل يسلط الضوء على حجم التعقيدات التي تواجه واحدة من أكثر التسويات حساسية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة.
لماذا كانت محادثات سويسرا مهمة؟
لم تكن الاجتماعات المؤجلة مجرد لقاء دبلوماسي عادي، بل كانت تمثل الخطوة الأولى لترجمة الاتفاق المؤقت إلى إجراءات ملموسة على الأرض.
وكان من المنتظر أن تبحث الوفود الفنية آليات تنفيذ البنود الأساسية للاتفاق، بما في ذلك إعادة فتح مضيق هرمز، ورفع القيود المفروضة على الاقتصاد الإيراني، وترتيبات التفاوض بشأن البرنامج النووي خلال فترة الستين يوماً المنصوص عليها في الاتفاق.
ولهذا السبب، فإن تأجيل هذه المحادثات يبعث برسالة مفادها أن الطريق نحو اتفاق نهائي قد يكون أكثر صعوبة مما بدا عليه عقب الإعلان الأولي عن التفاهم.
هدنة سياسية.. لكن التوتر العسكري مستمر
ورغم أن الاتفاق نجح في وقف المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، فإنه لم يتمكن حتى الآن من تهدئة جميع جبهات الصراع في المنطقة.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الولايات المتحدة وإيران عن مسار تفاوضي جديد، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية ضد حزب الله في لبنان، الأمر الذي يهدد بإبقاء المنطقة في حالة توتر دائم.
ويشير هذا الواقع إلى أن الاتفاق نجح في احتواء أحد أبعاد الأزمة، لكنه لم يعالج بعد شبكة الصراعات الإقليمية المرتبطة بها.
هرمز يعود تدريجياً إلى الحياة
اقتصادياً، بدأت بعض النتائج الإيجابية للاتفاق بالظهور.
فقد شهد مضيق هرمز عودة تدريجية لحركة الملاحة التجارية بعد إعادة فتحه، كما تراجعت أسعار النفط العالمية إلى أدنى مستوياتها منذ بداية مارس.
غير أن الأرقام المتاحة تظهر أن التعافي لا يزال محدوداً. فعدد السفن العابرة للمضيق يبقى أقل بكثير من المعدلات الطبيعية التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب.
ويرى محللون في قطاع الطاقة أن عودة الحركة إلى مستوياتها المعتادة قد تستغرق أسابيع أو حتى أشهراً بسبب المخاوف الأمنية وتردد شركات الشحن العالمية.
إيران تحصل على مكاسب اقتصادية مهمة
من أبرز نتائج الاتفاق المؤقت تعهد واشنطن بالتنازل عن العقوبات النفطية التي شكلت لسنوات أحد أهم أدوات الضغط على طهران.
كما ينص الاتفاق على تسهيل إنشاء صندوق إعادة إعمار ضخم بمجرد التوصل إلى تسوية نهائية للملف النووي، وهو ما يمنح إيران حافزاً قوياً للاستمرار في المفاوضات.
لكن هذه التنازلات الأميركية نفسها أصبحت مصدراً للجدل داخل الولايات المتحدة، حيث يرى معارضو الاتفاق أن واشنطن قدمت لطهران مكاسب كبيرة مقابل التزامات لم يتم اختبارها بعد.
انقسام داخل المعسكر الجمهوري
لم يقتصر الجدل على الديمقراطيين والجمهوريين، بل امتد إلى داخل الحزب الجمهوري نفسه.
فبينما يدافع الرئيس دونالد ترامب عن الاتفاق باعتباره الوسيلة الأكثر واقعية لتجنب حرب طويلة ومكلفة، يعتقد عدد من الجمهوريين أن الإدارة الأميركية تخلت عن فرصة تاريخية لفرض شروط أكثر صرامة على إيران.
ويعكس هذا الانقسام حجم الرهانات السياسية المرتبطة بالاتفاق، خصوصاً إذا واجه صعوبات خلال الأشهر المقبلة.
هل ينجو الاتفاق من اختبار التنفيذ؟
السؤال الرئيسي اليوم لا يتعلق بتوقيع الاتفاق، بل بقدرته على الصمود.
فنجاح التفاهم الأميركي الإيراني يعتمد على عدة عوامل متشابكة: استمرار الالتزام المتبادل، وتقدم المفاوضات النووية، واحتواء التوترات الإقليمية، ومنع أي طرف من اتخاذ خطوات قد تعيد المنطقة إلى مربع التصعيد.
ومع تأجيل أول جولة من المحادثات التنفيذية، يبدو أن الاتفاق دخل بالفعل مرحلة الاختبار الحقيقي، حيث لن تكون التصريحات السياسية كافية وحدها لضمان استمراره، بل ستكون التفاصيل التقنية والتنفيذية هي التي ستحدد ما إذا كان الشرق الأوسط يتجه نحو تهدئة طويلة الأمد أم نحو جولة جديدة من عدم الاستقرار.






