بينما تتصاعد المأساة في قطاع غزة وتستمر معاناة الشعب الفلسطيني تحت نيران العدوان الإسرائيلي والحصار الخانق، تواصل الرئاسة الفلسطينية جهودها السياسية والدبلوماسية في محافل متعددة لوقف العدوان وتحقيق اعتراف دولي أوسع بدولة فلسطين، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروع الدولة المستقلة، ولإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في ظل مناخ إقليمي ودولي مضطرب.
الاتصال الهاتفي الذي أجراه رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يندرج ضمن سياق هذه الجهود السياسية المكثفة التي تقودها القيادة الفلسطينية، حيث شكل الاتصال مناسبة مهمة لإعادة طرح رؤية القيادة الفلسطينية لحل الأزمة الإنسانية والسياسية القائمة، ليس فقط في قطاع غزة بل في عموم الأراضي الفلسطينية المحتلة.
إنهاء سياسة التجويع الجماعي
الرئيس عباس أعاد التأكيد على مجموعة من الثوابت السياسية والإنسانية، وفي مقدمتها المطالبة بوقف فوري ودائم لإطلاق النار، باعتباره شرطًا أساسيًا لوقف حمام الدم وإنهاء سياسة التجويع الجماعي التي تنتهجها إسرائيل في قطاع غزة. هذا الموقف يأتي في ظل اتساع الكارثة الإنسانية، حيث بات واضحًا أن استمرار الحرب يستهدف بالدرجة الأولى المدنيين، ويضاعف من معاناة أكثر من مليوني إنسان في القطاع.
وفي هذا السياق، شدد عباس على ضرورة الإسراع في إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، وهو ما يعكس إدراك القيادة الفلسطينية لحجم الكارثة التي تتجاوز حدود العمليات العسكرية، لتتحول إلى مجاعة ممنهجة وانهيار شامل في القطاع الصحي والخدمات الأساسية.
لكن الملفت في هذا الاتصال كان إعادة طرح القيادة الفلسطينية تصورًا سياسيًا متكاملاً يتجاوز الهدنة المؤقتة، ويتضمن تسليم إدارة قطاع غزة للسلطة الفلسطينية بشكل كامل، كخطوة أساسية لإنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، في مواجهة مشروع الاحتلال الرامي إلى تقويض أي شكل من أشكال السيادة الفلسطينية على الأرض.
إحياء العمل الدبلوماسي
كما جدد الرئيس الفلسطيني المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع، ووقف كافة أشكال العدوان في الضفة الغربية، سواء من خلال الاستيطان المتسارع أو عبر اعتداءات المستوطنين المدعومين من الجيش الإسرائيلي. هذه النقاط تؤكد على أن الرئاسة الفلسطينية ترى العدوان على غزة ليس معزولًا عن مجمل السياسة الإسرائيلية القائمة على تكريس الاحتلال وضم الأراضي وتقويض حل الدولتين.
من جهة أخرى، يبرز البُعد الدولي في خطاب الرئيس عباس، خصوصًا إشادته بنتائج المؤتمر الوزاري للسلام في نيويورك، والدفع نحو عقد قمة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر المقبل. وهذا المسار يعكس رهان القيادة الفلسطينية على إحياء العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف، ومحاولة كسر الهيمنة الأميركية المطلقة على الملف، عبر توسيع دائرة الدول الداعمة للاعتراف بدولة فلسطين.
واللافت أيضًا هو خطاب الشكر الموجه إلى أستراليا، لا سيما في ضوء مواقفها الداعمة للأونروا وللمساعدات الإنسانية، لكن الأهم هو الإشارة إلى “التفكير الإيجابي” الأسترالي بشأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية. هذه الإشارة لم تكن عابرة، بل تعكس استراتيجية القيادة الفلسطينية التي باتت تركز على تحفيز دول من خارج نطاق الاتحاد الأوروبي – مثل أستراليا – للانضمام إلى موجة الاعتراف المتنامية، في إطار تكتيك الضغط على الاحتلال وتثبيت حقوق الفلسطينيين سياسيًا وقانونيًا.
إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية
وتأتي هذه التحركات في لحظة فارقة، حيث يسود شعور لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين والعرب بأن الوضع في غزة يكاد يخرج عن السيطرة، وأن الاحتلال يستغل الفوضى والانقسام لتحقيق مكاسب ميدانية وسياسية على الأرض. في ظل ذلك، تبدو الجهود التي يقودها الرئيس عباس بمثابة محاولة لإعادة زمام المبادرة إلى الشرعية الفلسطينية، وتثبيت رواية الحقوق لا رواية القوة.
وتواصل الرئاسة مساعيها الدبلوماسية وهي المسار الوحيد المتاح حاليًا أمام القيادة الفلسطينية في ظل انسداد الأفق العسكري، وانشغال الإقليم والعالم بصراعات أخرى.
ما تفعله القيادة الفلسطينية في هذه المرحلة ليس مجرد إدارة أزمة، بل محاولة إعادة توجيه البوصلة السياسية نحو هدف الدولة المستقلة، وتذكير العالم بأن الحل لا يكمن في “إدارة” الأزمات الإنسانية، بل في إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة.






