أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الثلاثاء 18 أغسطس/آب، عدم وجود أي محادثات أو مناقشات جارية أو مرتقبة مع إيران، في موقف يتناقض مع تصريحات سابقة تحدثت عن اتصالات وصفها الجانب الأميركي بأنها إيجابية وحيوية.
وكتب ترامب على منصته “تروث سوشيال” أن الولايات المتحدة لا تجري حاليا أي محادثات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مؤكدا في الوقت نفسه استمرار الحصار البحري المفروض على طهران.
وقال ترامب إن مضيق هرمز “مفتوح وعملي”، مضيفا أن الألغام البحرية “تمت إزالتها أو تفعيلها”، في إشارة إلى استمرار الإجراءات العسكرية والأمنية المرتبطة بأحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة في العالم.
تصريحات متناقضة
تصريحات ترامب جاءت في توقيت بدا فيه أن قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران لم تُغلق بالكامل، وهو ما أثار تساؤلات بشأن حقيقة المسار الدبلوماسي بين الطرفين.
وكان المبعوث الأميركي جاريد كوشنر قد تحدث عن مناقشات وصفها بأنها “إيجابية وحيوية للغاية”، في حين أكد في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، الاثنين 17 أغسطس/آب، أن هناك طرفين منخرطين بصورة جدية في المسار التفاوضي.
هذا التباين بين تصريحات الرئيس الأميركي ومبعوثه يفتح الباب أمام احتمالين: إما أن الاتصالات لم تعد قائمة فعليا، أو أن واشنطن تتعمد إبقاء طبيعة الاتصالات مع طهران بعيدة عن العلن، في إطار محاولة الضغط على الجانب الإيراني قبل أي اتفاق جديد.
طهران تربط فتح هرمز بتنفيذ الالتزامات
في المقابل، لا تبدو طهران مستعدة لتقديم تنازلات بشأن مضيق هرمز من دون مقابل.
وقال كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر غالباف، الثلاثاء، إن إعادة فتح المضيق لن تتم قبل وفاء واشنطن بالتزاماتها المنصوص عليها في مذكرة التفاهم التي جرى توقيعها في يونيو/حزيران.
وكانت المذكرة قد نصت على هدنة تمتد 60 يوما بهدف إفساح المجال أمام مفاوضات تقود إلى تسوية دبلوماسية دائمة، غير أن المهلة انقضت من دون التوصل إلى اتفاق ينهي أسباب المواجهة.
وبذلك تحولت الهدنة من فرصة لفتح مسار سياسي إلى ورقة جديدة في صراع الشروط المتبادلة بين واشنطن وطهران.
شروط متبادلة تعرقل التسوية
تتمسك إيران بمجموعة من المطالب قبل اتخاذ أي خطوة بشأن المضيق، وفي مقدمتها رفع الحصار البحري الأميركي، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ورفع العقوبات المفروضة على صادرات النفط، إضافة إلى وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات.
وتكشف هذه المطالب حجم الفجوة بين الطرفين؛ فكل جانب يطالب الآخر بخطوة أولى قبل أن يقدم تنازلاته، الأمر الذي أبقى المفاوضات في دائرة الانتظار والترقب.
وبينما ترى طهران أن فتح المضيق يجب أن يكون جزءا من تسوية شاملة، تبدو واشنطن أكثر اهتماما بضمان حرية الملاحة ومنع استخدام الممر البحري كورقة ضغط استراتيجية.
هرمز في قلب المواجهة
منذ الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط، دخل الصراع مرحلة أكثر اتساعا، بعدما ردت طهران بضربات استهدفت دولا مجاورة مرتبطة بالولايات المتحدة، قبل أن يصبح مضيق هرمز إحدى أبرز ساحات المواجهة غير المباشرة.
ويمثل المضيق شريانا حيويا لحركة ناقلات النفط والغاز، وهو ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة عبره ذا تداعيات تتجاوز حدود المنطقة إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، فرضت الولايات المتحدة حصارا على الموانئ الإيرانية، لتتحول حركة الملاحة نفسها إلى أداة في المواجهة بين الطرفين.
مسار عماني لكسر الجمود
وسط هذا التصعيد، تحاول سلطنة عمان لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، إذ تجري منذ عدة أسابيع مناقشات مع إيران بهدف التوصل إلى ترتيبات تسمح باستمرار مرور السفن عبر مضيق هرمز.
وتحاول الوساطة العمانية، وفق المعطيات المطروحة، الفصل بين الملف الأمني المرتبط بالمضيق والملفات السياسية والاقتصادية الأوسع، بما قد يتيح فتح نافذة تفاوض جديدة من دون أن يضطر أي من الطرفين إلى تقديم تنازل شامل في المرحلة الأولى.
لكن استمرار تضارب التصريحات الأميركية، وتمسك إيران بشروطها، يشيران إلى أن الطريق نحو اتفاق لا يزال طويلا.
وبينما يعلن ترامب عدم وجود مفاوضات مع طهران، تؤكد التصريحات الصادرة من أطراف أخرى وجود اتصالات أو مساعٍ لإبقائها مفتوحة. وفي هذه المساحة الرمادية تحديدا، يبدو مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر مائي؛ إنه ورقة ضغط استراتيجية تختزل طبيعة الصراع بين واشنطن وطهران وتكشف في الوقت نفسه صعوبة الانتقال من المواجهة العسكرية إلى تسوية سياسية مستقرة.






