بعد سنوات من الفتور الذي أعقب انهيار قمة هانوي، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى كوريا الشمالية بصورة مفاجئة، ملوّحاً بإمكانية عقد لقاء جديد مع زعيمها كيم جونغ أون.
العودة هذه المرة لا تأتي في فراغ. فواشنطن عالقة في تداعيات الحرب مع إيران، وعلاقاتها مع حليفتها كوريا الجنوبية تمر بمرحلة من التوتر، بينما تواصل بيونغ يانغ تعزيز ترسانتها النووية وتوسيع تعاونها مع موسكو وبكين.
وفي خضم هذه المعادلة، يبدو أن ترامب يريد إعادة فتح القناة التي سبق أن منحته واحدة من أكثر الصور السياسية لفتاً للانتباه خلال ولايته الأولى.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان ترامب يريد لقاء كيم، وإنما لماذا يريد عقده الآن، وماذا يمكن أن يحصل عليه الطرفان من قمة جديدة؟
صورة قديمة تعيد الملف إلى الواجهة
في 16 أغسطس/آب، نشر ترامب على منصته “تروث سوشال” صورة قديمة جمعته بكيم خلال لقائهما في المنطقة منزوعة السلاح عام 2019.
بعد ساعات فقط، أعلن ترامب تقليص التدريبات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وربط الخطوة جزئياً بعلاقته “الجيدة جداً” مع الزعيم الكوري الشمالي.
ثم جاءت تقارير صحفية لتكشف أن ترامب يدفع باتجاه عقد لقاء شخصي مع كيم في وقت مبكر من نوفمبر/تشرين الثاني، على هامش قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في مدينة شنتشن الصينية.
وهكذا، انتقل الحديث عن العلاقة مع كوريا الشمالية خلال أيام من مجرد استعادة ذكرى قديمة إلى احتمال عقد قمة جديدة.
إيران.. العامل الذي لا يمكن تجاهله
أحد التفسيرات الأكثر مباشرة لهذا التحرك يرتبط بالوضع في إيران.
فالحرب التي دخلتها إدارة ترامب مع طهران لم تتحول، حتى الآن، إلى قصة انتصار واضحة يمكن للرئيس الأميركي تقديمها باعتبارها نجاحاً دبلوماسياً أو عسكرياً حاسماً.
وفي مثل هذه الظروف، يمكن لقمة مع كيم أن تمنح البيت الأبيض فرصة لإعادة توجيه الاهتمام السياسي والإعلامي نحو ملف آخر.
فمجرد الإعلان عن لقاء بين ترامب وكيم كفيل بإحداث ضجة دولية كبيرة، خصوصاً أن الرجلين سبق أن انتقلا خلال ولايتهما الأولى من تبادل التهديدات إلى المصافحات واللقاءات التاريخية.
وقد تكون هذه الصورة تحديداً هي ما يحتاجه ترامب الآن: مشهد دبلوماسي كبير يمكن تقديمه للرأي العام باعتباره دليلاً على قدرة الرئيس على فتح الأبواب المغلقة.
قمة بعد الانتخابات.. التوقيت له دلالته
لكن توقيت القمة المحتملة يثير تساؤلات إضافية.
فموعدها المقترح يأتي بعد فترة قصيرة من انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني.
وهذا يمنح ترامب هامشاً سياسياً مهماً: فإذا عقد اللقاء بعد الانتخابات، يمكن للرئيس أن يعلن عن تقدم دبلوماسي من دون أن يكون مضطراً إلى تقديم نتائج ملموسة للناخبين قبل توجههم إلى صناديق الاقتراع.
لكن المشكلة أن القمم السابقة مع كيم أظهرت أيضاً حدود هذا النوع من الدبلوماسية.
فالصورة التاريخية والبيانات السياسية لا تعني بالضرورة وجود اتفاق قابل للتنفيذ.
كوريا الجنوبية.. الحليف الذي يشعر بالقلق
العامل الثاني في الحسابات الأميركية هو كوريا الجنوبية.
فالعلاقة بين واشنطن وسيول تواجه خلافات تتعلق بالتجارة والاستثمار والإنفاق الدفاعي، في وقت تعهدت فيه كوريا الجنوبية باستثمارات أميركية ضخمة تصل إلى 350 مليار دولار ضمن اتفاق تجاري سابق.
لكن تنفيذ هذه الاستثمارات يسير، بحسب التقارير، بوتيرة أبطأ مما تريده إدارة ترامب.
وقد عبّر الرئيس الأميركي عن إحباطه من سيول، في وقت ترى فيه إدارته أن كوريا الجنوبية لا تتحرك بالسرعة الكافية لتلبية التزاماتها الاقتصادية والأمنية تجاه الولايات المتحدة.
وتزامن ذلك مع قرار تقليص بعض التدريبات العسكرية المشتركة، وهي خطوة تحمل أكثر من رسالة في آن واحد.
رسالة إلى سيول قبل أن تكون إلى بيونغ يانغ
قد يكون قرار تقليص التدريبات موجهاً إلى كوريا الشمالية، لكنه يحمل أيضاً رسالة واضحة إلى كوريا الجنوبية.
ترامب يقول، عملياً، إن التحالف الأمني ليس منفصلاً عن الحسابات الاقتصادية والسياسية التي يريدها من حلفائه.
وفي المقابل، فإن الدفع نحو لقاء مباشر مع كيم يفتح احتمالاً أكثر حساسية بالنسبة إلى سيول: أن تتعامل واشنطن مع بيونغ يانغ مباشرة في ملفات تمس أمن شبه الجزيرة الكورية، من دون أن تكون كوريا الجنوبية في قلب العملية.
وهذا السيناريو قد يمنح كيم مكسباً استراتيجياً مهماً.
فطالما سعت كوريا الشمالية إلى تقليص دور سيول في أي مفاوضات مع واشنطن، وإلى التعامل مع الولايات المتحدة بوصفها الطرف الرئيسي في الملف الكوري.
كيم يريد الحوار.. لكن بشروط مختلفة
غير أن كوريا الشمالية التي يواجهها ترامب اليوم ليست كوريا الشمالية التي التقاها في 2018 و2019.
فخلال السنوات الماضية، عززت بيونغ يانغ موقعها النووي، وأكدت أن ترسانتها ليست ورقة تفاوضية قابلة للتخلي عنها.
وفي عام 2023، كرست كوريا الشمالية وضعها كدولة نووية في دستورها، ما جعل مطلب نزع السلاح النووي أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
كما قال كيم في تصريحات سابقة إنه لا يرى مانعاً من الحوار مع واشنطن إذا تخلت عن مطلب نزع السلاح النووي، لكنه لا يرى في المقابل سبباً للتخلي عن ترسانته مقابل تخفيف العقوبات.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
ترامب يريد قمة، لكنه يريد في النهاية ما أرادته الإدارات الأميركية السابقة: الحد من البرنامج النووي الكوري الشمالي. أما كيم فيبدو مستعداً للحوار، بشرط ألا يكون نزع السلاح النووي موضوعاً للتفاوض.
بيونغ يانغ ترد ببرود
بعد تصريحات ترامب التي تحدث فيها عن احتمال التواصل مع كيم، جاء الرد الكوري الشمالي أكثر تحفظاً.
فقد قالت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي وأحد أبرز وجوه السلطة في بيونغ يانغ، إن تقليص التدريبات العسكرية الأميركية-الكورية الجنوبية لا يغير طبيعة العلاقة، وإن التدريبات لا تزال استفزازية حتى لو أصبحت أقصر.
كما نفت حدوث اتصال مباشر بين ترامب وكيم.
وبعد ذلك بيوم، أطلقت كوريا الشمالية نحو عشرة صواريخ باليستية قصيرة المدى باتجاه البحر.
لكن هذه الرسائل لا تعني بالضرورة أن بيونغ يانغ أغلقت الباب أمام الحوار.
على العكس، قد تكون رسالة التفاوض الكورية واضحة: إذا كان ترامب يريد العودة إلى طاولة القمة، فعليه أن يدفع ثمناً أكبر هذه المرة.
ماذا يريد كيم؟
بالنسبة إلى كيم، يمكن أن تكون القمة فرصة للحصول على مكاسب كبيرة من دون تقديم تنازل نووي.
وقد يسعى إلى انتزاع اعتراف سياسي أكبر بمكانة كوريا الشمالية كقوة نووية، أو تخفيف الضغوط العسكرية الأميركية، أو الحد من التدريبات المشتركة مع كوريا الجنوبية، وربما الحصول على ترتيبات تؤدي إلى تخفيف العقوبات أو فتح قنوات اقتصادية.
كما أن أي إعلان أميركي عن نهاية رسمية لحالة العداء أو اتفاق سلام يمكن أن يمثل انتصاراً تاريخياً لبيونغ يانغ.
والأهم أن كيم يستطيع تحقيق بعض هذه المكاسب من دون التخلي عن ترسانته النووية.
وهذا فرق جوهري عن الوضع الذي كان قائماً عام 2018.
روسيا والصين غيّرتا حسابات كيم
هناك عامل آخر يجعل العودة إلى نموذج 2018 أكثر صعوبة: البيئة الدولية المحيطة بكوريا الشمالية.
فبيونغ يانغ عززت خلال السنوات الأخيرة علاقاتها مع روسيا، بما في ذلك التعاون العسكري المرتبط بالحرب في أوكرانيا.
كما حافظت على علاقات وثيقة مع الصين، الأمر الذي وفر لها منافذ اقتصادية وسياسية تقلل من تأثير الضغوط والعقوبات الدولية.
وبالتالي، لم يعد كيم يواجه الضغوط الاقتصادية نفسها التي كانت تحاصره عندما دخل مفاوضات 2018.
وفي ذلك الوقت، كانت العقوبات الدولية تضغط بقوة على الاقتصاد الكوري الشمالي، ما منح واشنطن أوراقاً أكبر في التفاوض.
أما اليوم، فإن علاقات بيونغ يانغ مع موسكو وبكين تمنحها هامشاً أوسع للمناورة.
هل يحاول ترامب تفكيك محور الخصوم؟
وقد تكون القمة المحتملة جزءاً من حساب أوسع.
فإدارة ترامب تسعى في الوقت نفسه إلى تحسين العلاقة مع روسيا عبر ملف الحرب في أوكرانيا، بينما تتزايد العلاقات الأمنية بين روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية.
وفي السنوات الأخيرة، تشكلت شبكة واسعة من التعاون بين هذه الدول، تتراوح بين التجارة والطاقة والتكنولوجيا والتعاون العسكري.
لذلك يمكن قراءة الانفتاح على كيم باعتباره محاولة لاستكشاف إمكانية إضعاف هذا التكتل أو فتح قنوات منفصلة مع أطرافه.
لكن من الصعب حتى الآن الجزم بأن هذه استراتيجية متكاملة؛ فقد تكون القمة مجرد مبادرة منفصلة يريد ترامب من خلالها تحقيق مكسب دبلوماسي سريع.
القمة الثالثة.. هل يمكن أن تكون مختلفة؟
عقد ترامب وكيم قمتين رئيسيتين في 2018 و2019.
الأولى في سنغافورة أنتجت صوراً تاريخية وبيانات سياسية عامة، لكنها لم تؤد إلى اتفاق دائم بشأن البرنامج النووي.
أما قمة هانوي في فبراير/شباط 2019، فانتهت من دون اتفاق، بعدما اصطدم الطرفان بالخلاف حول العقوبات ونطاق الخطوات التي كان يتعين على كوريا الشمالية اتخاذها في ملفها النووي.
ومنذ ذلك الحين، تراجعت الاتصالات بصورة كبيرة.
لذلك، فإن أي قمة جديدة ستواجه السؤال نفسه الذي أفشل المحاولة السابقة: ماذا يستطيع ترامب أن يعرض على كيم، وماذا يمكن أن يطلب منه في المقابل؟
إذا بقي نزع السلاح النووي شرطاً أميركياً أساسياً، وبقي التخلي عن الترسانة خطاً أحمر كورياً شمالياً، فإن القمة قد تتحول مرة أخرى إلى مشهد سياسي كبير من دون اتفاق جوهري.
واشنطن أمام معادلة صعبة
في النهاية، يبدو أن لكل طرف سبباً مختلفاً للعودة إلى طاولة الحوار.
ترامب يحتاج إلى إنجاز دبلوماسي كبير يمكن أن يعيد ترتيب المشهد السياسي بعد الحرب مع إيران، ويريد في الوقت نفسه الضغط على كوريا الجنوبية بسبب التزاماتها الاقتصادية والأمنية.
أما كيم، فيرى فرصة للحصول على تنازلات أميركية تتعلق بالتدريبات العسكرية والعلاقات مع سيول وربما العقوبات، من دون أن يضطر إلى تقديم ترسانته النووية.
وبين الطرفين تقف كوريا الجنوبية، التي تخشى أن تتحول إلى متلقٍ لنتائج تفاوض يجري حول أمنها من دون مشاركتها الكاملة.
ولهذا فإن أي قمة جديدة بين ترامب وكيم لن تكون مجرد استعادة لصور 2018 و2019.





