لم يكن الانفجار المدوي الذي هز منطقة “السكت” جنوب مدينة مصراتة مجرد حادث عرضي ينتهي بإخماد ألسنة النيران؛ بل جاء ليعيد طرح علامات استفهام مقلقة حول حالة الهشاشة التي تحيط بكتل السلاح المنتشرة في الغرب الليبي. فاقتصار الأضرار على الخسائر المادية وغياب الضحايا البشريين لم يخففا من حدة الرسائل الثقيلة التي حملها تطاير القذائف في محيط مقار حيوية؛ إذ يفتح التوقيت والظروف باب التحليلات على مصراعيه حول طبيعة ما يجري خلف كواليس المشهد العسكري المتوتر.
تكتسب الجغرافيا التي شهدت الحادثة دلالات خاصة لا يمكن التغاضي عنها؛ فالموقع المتاخم لمقر “كتيبة الإعصار” سابقاً، والمحاذي للهيئة القضائية وسجن السكت، يقع في عمق المربع الاجتماعي والعسكري لمصراتة، وهي المدينة التي تشكل ثقلاً كبيراً في معادلة التوازن الأمني للغرب الليبي. وتطاير العتاد العشوائي في تلك المنطقة الخالية نسبياً من السكان يطرح فرضيتين رئيسيتين: إما استمرار إهمال شروط السلامة والتخزين الآمن في المنشآت العسكرية السابقة، أو وقوع اختراق أمني منظم يستهدف إشعال بؤر توتر متفرقة وشل قدرات الكتائب المحلية.

وبقراءة التطورات ضمن سياقها الزمني الأوسع، يظهر هذا الانفجار كحلقة جديدة في سلسلة حوادث غامضة تضرب المنشآت الحيوية بالمنطقة الغربية. فالحادثة تأتي عقب أيام قليلة من انفجار مماثل ضرب محيط محطة كهرباء الزاوية وأخرج عدداً من وحدات الإنتاج عن الخدمة، بالتزامن مع تحليق وهجمات متكررة لطائرات مسيّرة مجهولة الهوية. هذا التزامن المريب يرجح كفة التحليلات التي ترى أن ما يحدث ليس مجرد صدفة تشغيلية، بل هو جزء من تكتيك يهدف إلى استنزاف المنطقة الغربية وإشغال قواها الأمنية والخدمية في أزمات متلاحقة، سواء عبر استهداف شبكات الطاقة أو تحريك بؤر القوة العسكرية.
أمام هذا الغموض المتزايد، يبرز الصمت الرسمي للجهات المعنية كعنصر يزيد من حدة التكهنات ويغذي الشكوك حول طبيعة الصراع الخفي؛ إذ تكتفي السلطات بالتعامل الميداني لإخماد الحرائق ودراسة الأسباب الفنية دون تقديم إجابات شافية للشارع الليبي. وإن استمرار تكرار هذه الانفجارات في مقار سيادية أو عسكرية دون حسم أسبابها يضع الأجهزة الأمنية أمام اختبار حقيقي لتأمين العمق الاستراتيجي، ويحذر من أن الإبقاء على مخازن الذخيرة وسط المربعات الإدارية والحيوية قد يحول أي شرارة قادمة إلى فاجعة كبرى تتجاوز حدود الخسائر المادية.





