أعاد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الجدل إلى الواجهة حول قضية “سحب الجنسية” بعد أن وجّه خلال الأسابيع الماضية سلسلة من التصريحات العدائية ضد شخصيات معروفة، شملت الملياردير إيلون ماسك، والمرشح الديمقراطي المسلم زهران ممداني، والإعلامية روزي أودونيل، ملمّحًا إلى إمكانية ترحيلهم أو تجريدهم من جنسيتهم الأميركية، وهي تصريحات أثارت تساؤلات قانونية وأخلاقية حول حدود صلاحيات الرئيس في هذا المجال.
تهديدات علنية تفتقر إلى السند القانوني
في تصريحات صحفية أثارت عاصفة من الجدل، أعلن ترامب أنه “سينظر” في ترحيل إيلون ماسك، مهددًا في الوقت نفسه باعتقال زهران ممداني، بينما نشر على منصته للتواصل الاجتماعي منشورًا يفيد بأنه “يفكر جديًا” في سحب جنسية روزي أودونيل. وتأتي هذه التصريحات في وقت كشفت فيه تقارير أميركية عن نية الإدارة الجمهورية المحتملة توسيع نطاق عمليات سحب الجنسية ضمن سياسة الهجرة والأمن القومي.
لكن، وبحسب تقرير نشرته شبكة CNN، فإن سحب الجنسية الأميركية، خاصة من أشخاص وُلدوا في الولايات المتحدة أو حصلوا عليها بطرق قانونية، يخضع لإجراءات قضائية معقدة ولا يتم بموجب قرار سياسي أو تنفيذي.
القانون الأميركي: حالات نادرة وقيود صارمة
ينص القانون الأميركي على أن سحب الجنسية يُطبق فقط على المجنسين، أي من حصلوا على الجنسية الأميركية بعد الولادة، وفي حالتين محددتين: إما إذا تم الحصول عليها بطريقة غير قانونية، أو إذا تم إخفاء معلومات جوهرية أو تقديم بيانات مزيفة خلال عملية التجنيس. وكان هذا المسار القانوني قد استخدم تاريخيًا ضد بعض مجرمي الحرب، لا سيما النازيين السابقين، الذين دخلوا البلاد عبر تقديم معلومات مضللة.
لكن رغم وجود هذا النص، فإن تجريد الأفراد من جنسيتهم يظل أمرًا نادرًا. ويرى خبراء قانونيون أن فتح مثل هذه الملفات يتطلب إجراءات طويلة أمام المحاكم الفيدرالية، ولا يمكن لرئيس الولايات المتحدة بمفرده تنفيذها.
القضاء هو الفيصل… لا الرئيس
يؤكد مظفر تشيشتي، وهو عضو بارز في معهد سياسات الهجرة غير الحزبي، أن “ترامب لا يملك سلطة سحب الجنسية من أي شخص، سواء كان إيلون ماسك أو زهران ممداني. المحكمة الفيدرالية هي الجهة الوحيدة المخولة بذلك، وحتى في حال توفرت الأسباب القانونية، فإن الحكومة مطالبة بإثبات الادعاءات بأدلة واضحة ومقنعة”.
وأضاف تشيشتي أن الفوز بهذه القضايا أمام القضاء الأميركي يبقى صعبًا ومعقدًا، ما يجعل تهديدات ترامب أقرب إلى المناورة السياسية منها إلى الواقع التنفيذي.
ولادة داخل الأراضي الأميركية… حصانة دستورية
بالنسبة لروزي أودونيل، فإن المسألة محسومة قانونيًا، إذ أنها وُلدت في نيويورك وتحمل الجنسية الأميركية بحكم الولادة، وهو ما يمنحها حماية دستورية شبه مطلقة. ويشير الخبراء إلى أن الدستور الأميركي يقرّ بحق المواطنة لكل من يولد على الأراضي الأميركية، ولا يمكن تجريد أي شخص من هذا الحق إلا إذا ثبت أنه تنازل عنه طواعية عبر أفعال واضحة، كالتجنيد في جيش أجنبي معادٍ أو القسم بالولاء لدولة أخرى.
وبالتالي، فإن أي محاولة لسحب جنسية روزي أودونيل ستكون خالية من أي مرتكز قانوني، ومجرد طرحها يعكس جهلًا بالقانون أو رغبة في إثارة الجدل السياسي والإعلامي.
حسابات انتخابية أم توجه سلطوي؟
في السياق الأوسع، يرى محللون أن تصريحات ترامب الأخيرة قد تكون جزءًا من استراتيجية انتخابية تهدف إلى شدّ انتباه القاعدة المحافظة، خصوصًا في ملف الهجرة الذي لطالما وظّفه في حملاته السابقة. لكنهم يحذرون في الوقت ذاته من خطورة الترويج لفكرة أن الجنسية الأميركية يمكن أن تُنتزع على خلفية المواقف السياسية أو الشخصية، ما يشكّل انتكاسة لمبادئ المواطنة والحقوق المدنية في بلد بُني على أساس تعددي وتكافؤ الفرص.





