تشهد العاصمة طرابلس ومحيطها حالة احتقان متصاعدة بسبب التحشيدات العسكرية التي تقوم بها ميليشيات مسلحة متنافسة.
تأتي هذه التحركات في ظل غياب مؤسسات أمنية موحدة، ما يجعل احتمالات اندلاع مواجهات عنيفة أمرًا واردًا في أي لحظة، وهو ما يهدد الاستقرار الهش الذي تحقق منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020.
جهود المجلس الرئاسي.. سباق مع الزمن
يسعى المجلس الرئاسي الليبي، بدعم من بعثة الأمم المتحدة، إلى تهدئة الأوضاع والحيلولة دون انزلاق البلاد إلى جولة صراع جديدة.
الدعوات الأخيرة لوقف التصعيد تؤكد إدراك المجتمع الدولي أن أي تفجر للأحداث في طرابلس لن يقتصر أثره على الداخل الليبي فقط، بل سيمتد ليشكل تهديدًا للأمن الإقليمي ودول الجوار.
يرى مراقبون أن الميليشيات المسلحة، لا سيما تلك المرتبطة بتيارات أيديولوجية، لا تتحرك فقط بدوافع أمنية، بل وفق أجندات تهدف إلى فرض السيطرة على مفاصل استراتيجية مثل مطار ومعيتيقة ومينائها البحري.
هذه السيطرة تمنحها أوراق ضغط في أي مفاوضات سياسية، وهو ما يفسر عجز الدولة عن بسط نفوذها الكامل على العاصمة.
صراع السيطرة على معيتيقة.. عقدة جديدة
التحركات الأخيرة للميليشيات القادمة من مصراتة تجاه قاعدة معيتيقة الجوية أثارت مخاوف من مواجهات ميدانية خطيرة، فبينما يُبرر قادة تلك القوات خطواتهم بأنها لحماية المرافق الحيوية، يرى محللون أن الهدف الحقيقي هو فرض معادلة جديدة على الأرض تسمح لهم بالتحكم في العاصمة.
وأطلق أعضاء في مجلس الدولة تحذيرات متكررة من انجرار طرابلس نحو “حروب عبثية”، مشددين على أن العاصمة هي الملاذ الأخير للمواطنين.
هذه التحذيرات تعكس إدراكًا داخليًا بأن أي معركة داخل طرابلس ستكون مدمرة، ليس فقط على المستوى الإنساني، بل على مستقبل العملية السياسية برمتها.
إلى أين تتجه ليبيا؟
أولاً: صراع نفوذ أم إعادة تموضع؟
وفقا لخبراء، فإن المشهد الحالي لا يمكن قراءته فقط باعتباره اشتباكًا محليًا، بل هو في جوهره صراع نفوذ بين قوى ميليشياوية تسعى لتثبيت مواقعها قبل أي تسوية سياسية شاملة، فكل طرف يحاول رسم خريطة السيطرة بما يمنحه مقعدًا أقوى على طاولة المفاوضات.
ثانيًا: البُعد الإقليمي في الأزمة
التحشيدات المسلحة تثير قلق دول الجوار مثل تونس ومصر، التي تخشى أن يؤدي الانفلات الأمني إلى موجة لجوء جديدة أو عودة نشاط الجماعات المتطرفة. كما أن المجتمع الدولي يدرك أن استمرار الفوضى سيؤثر على إمدادات الطاقة، وهو ما يفسر تزايد الضغوط الأممية لوقف التصعيد.
ثالثًا: المخاطر الإنسانية
التحليلات الحقوقية تؤكد أن أي مواجهة واسعة النطاق في طرابلس ستدفع المدنيين إلى ثمن باهظ، إذ أن معظم مناطق التحشيد تقع وسط أحياء مأهولة بالسكان. وهذا ما قد يفتح الباب أمام كارثة إنسانية جديدة في بلد يعاني أصلًا من هشاشة البنية التحتية والخدمات.
رابعًا: فشل مسارات التهدئة السابقة
الأحداث الأخيرة تكشف أن كل التفاهمات السابقة، سواء في جنيف أو برلين، لم تعالج جوهر الأزمة المتمثل في تفكيك الميليشيات وإعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة. لذلك فإن أي تهدئة مؤقتة ستظل معرضة للانهيار ما لم تُعالج هذه العقدة.
خامسًا: السيناريوهات المحتملة
كما كشف الخبراء أن السيناريو السلبي: اندلاع اشتباكات واسعة ستعيد ليبيا إلى مربع الحرب الأهلية، مع تعميق الانقسام السياسي.
السيناريو الإيجابي: نجاح ضغوط دولية وإقليمية في فرض هدنة جديدة، يليها إطلاق مسار تفاوضي يركز على ترتيبات أمنية حقيقية.
السيناريو الرمادي: استمرار حالة الشد والجذب دون انفجار شامل، مع بقاء الوضع على ما هو عليه من هشاشة وفوضى.






