تشهد الساحة الثقافية والفنية الغربية موجة متنامية من التضامن مع الفلسطينيين، حيث تتعالى الأصوات المطالِبة بقطع العلاقات مع المؤسسات الإسرائيلية بسبب الحرب المستمرة في غزة. فبعد عقود من النقاش حول جدوى المقاطعة، تبدو التعبئة الحالية أكثر شمولاً، إذ جمعت رسالة مفتوحة صادرة عن مجموعة “عاملون في مجال السينما من أجل فلسطين” آلاف التوقيعات، من بينها أسماء لامعة مثل الممثلين خواكين فينيكس وإيما ستون، اللذين تعهدا بعدم التعامل مع أي مؤسسة إسرائيلية “متورطة في الإبادة الجماعية”.
المقاطعة كأداة ضغط بديلة
مع رفض معظم الحكومات الغربية فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل، يحاول الفنانون والكتّاب والموسيقيون سد هذا الفراغ عبر ممارسة ضغط شعبي من بوابة الثقافة والفن. الممثل البريطاني خالد عبد الله رأى أن العالم يعيش “نقطة تحول تاريخية”، مشيراً إلى أن التعبئة لم تعد مقتصرة على صناعة السينما وحدها، بل باتت تمتد إلى الموسيقى والنشر وسائر الفنون. هذا الحراك الثقافي يستحضر مباشرة تجربة المقاطعة الدولية لجنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري، والتي استغرقت عقودًا قبل أن تؤتي ثمارها.
أصوات تتحدى “التطبيع الفني”
لم يقتصر التضامن على توقيع العرائض، بل وصل إلى المحافل الكبرى. ففي حفل توزيع جوائز إيمي الأخير، تحدّث عدد من الفائزين عن معاناة غزة، فيما شهد مهرجان البندقية السينمائي تصريحات مماثلة. كما أعلنت فرقة “ماسيف أتاك” البريطانية الشهيرة انضمامها إلى مبادرة “لا موسيقى للإبادة”، الهادفة إلى حجب الأعمال الموسيقية عن إسرائيل. حتى داخل إسرائيل، أعلن قائد الأوركسترا إيلان فولكوف أنه لن يعزف مجددًا في بلاده، في موقف لافت من فنان إسرائيلي.
جدل حول معاداة السامية وحدود النقد
تثير حركة المقاطعة (BDS) جدلاً متجدداً في الغرب، إذ يسعى بعض الأطراف لربطها بمعاداة السامية. غير أن باحثين مثل ديفيد فيلدمان، مدير معهد دراسة معاداة السامية في جامعة لندن، يؤكدون أن هذا الربط “بعيد عن الحقيقة”، وأن المقاطعة تمثل وسيلة احتجاجية على “تدمير غزة وقتل المدنيين”، لا على الهوية اليهودية. ويشير آخرون إلى أن المقاطعة تواجه عقبتين: إرث المحرقة الذي يفرض حساسية خاصة في أوروبا، والحملات المضادة التي تحاول وصمها بالعنصرية.
الدروس المستفادة من جنوب أفريقيا
المقارنة مع جنوب أفريقيا تبدو حاضرة بقوة، لكن الخبراء يحذّرون من المبالغة. فقد استغرق الأمر ثلاثين عاماً قبل أن يسقط نظام الفصل العنصري هناك، ولم يكن الضغط الثقافي وحده كافياً؛ بل لعب الحصار الاقتصادي وانسحاب الشركات الغربية دوراً حاسماً. في الحالة الإسرائيلية، ورغم تزايد المقاطعات الثقافية، تبقى البنية الاقتصادية والدبلوماسية أكثر تعقيداً، ما يجعل التغيير رهناً بتراكم الضغوط على أكثر من صعيد.
انقسام داخل الوسط الفني الإسرائيلي
اللافت أن المقاطعة لا تأتي فقط من الخارج، بل تثير مخاوف داخل إسرائيل نفسها. كاتب السيناريو الشهير هاغاي ليفي صرّح بأن “90% من الوسط الفني يعارض الحرب”، محذراً من أن المقاطعة قد تضعف أصوات هؤلاء المعارضين بدلاً من دعمهم. وهذا يطرح إشكالية إضافية حول ما إذا كانت المقاطعة الثقافية ستحقق أهدافها، أم أنها قد تزيد عزلة فنانين إسرائيليين يناهضون الحرب أصلاً.






