تتّسع فجوة الانتقادات الموجهة إلى قيادة حركة حماس مع تصاعد حدة التصريحات التي تطلقها الحركة ضد الدول العربية، وفي مقدّمتها مصر والأردن، وهي دول لطالما كانت سندًا رئيسيًا للشعب الفلسطيني، سياسياً وإنسانياً، في مواجهة الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة. ففي وقت تُسخّر فيه هذه الأطراف العربية كل ما تملك من أدوات دبلوماسية وجهود ميدانية لوقف إطلاق النار وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، تواصل حماس اعتماد خطاب هجومي يفتقر إلى الواقعية ويعمّق العزلة السياسية التي تعاني منها الحركة منذ سنوات.
حماس تمارس سياسة الهروب
تصريحات حماس الأخيرة التي تحمّل فيها دولًا عربية مسؤولية تدهور الأوضاع في القطاع تثير علامات استفهام عميقة حول مدى وعي الحركة بموازين القوى والمتغيرات الإقليمية، وتدلّ على غياب البوصلة السياسية لديها، كما أشار عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني. فبدلًا من التقدير والاعتراف بالجهود التي بذلتها القاهرة وعمّان في التصدي لمحاولات التهجير ودعم صمود الفلسطينيين سياسيًا وميدانيًا، اختارت حماس أن تمارس سياسة الهروب إلى الأمام، متجاهلة مسؤولياتها الجوهرية تجاه المدنيين الذين يعيشون أوضاعًا كارثية في غزة.
ومن اللافت أن الحركة، رغم مرور أكثر من 21 شهرًا على الحرب، لم تقدّم أي مبادرات عملية ملموسة لتجنيب السكان المدنيين ويلات القصف والجوع والدمار، بل اكتفت بتوظيف المعاناة في معركة الخطاب السياسي، واستثمارها لمهاجمة خصومها، سواء داخل الساحة الفلسطينية أو خارجها. هذه المواقف تعكس، بحسب عضو المجلس الوطني شفيق التلولي، استخفافًا صريحًا بالدور المركزي الذي لعبته مصر والأردن في رفض مشاريع تهجير الفلسطينيين، وإصرارًا من قيادة حماس على تسييس الأزمة الإنسانية، بدلًا من السعي الفعلي لحلّها.
غياب الرؤية السياسية
ما يجري لا يمكن قراءته بمعزل عن غياب الرؤية السياسية المتكاملة لدى قيادة حماس، وافتقارها إلى تصور وطني جامع يُعلي المصلحة الفلسطينية على الحسابات الفئوية الضيقة. فحين تتحول الدول الحليفة والداعمة إلى أهداف للانتقاد، وتتوارى الخطط العملية خلف الشعارات الحماسية، يصبح من المشروع التساؤل: ما الذي تبقى لدى حماس لتقدّمه لأبناء غزة غير بيانات وتصريحات تتجاهل المعاناة اليومية لملايين المحاصرين؟
إن تحميل الآخرين مسؤولية الإخفاق لا يُعدّ بديلًا عن المراجعة الذاتية، ولا يعفي أي طرف فلسطيني من مسؤولياته الوطنية. وإذا كانت حماس تعتبر نفسها رأس الحربة في المقاومة، فإن أدنى متطلبات القيادة المسؤولة تقتضي البحث الجاد عن حلول توقف نزيف الدم، وتمنح المدنيين فرصة للحياة بكرامة، لا أن تنقضّ على من يحاول فعل ذلك، بحسن نية أو بجهد حقيقي.






