تشهد منطقة بحيرة تشاد تصعيداً غير مسبوق، بعد إعلان «داعش في غرب أفريقيا» مسؤوليته عن قتل اللواء النيجيري أوبا، أحد أبرز قادة الحرب على الجماعات المتطرفة في الشمال الشرقي.
اشتداد العنف في الإقليم المضطرب
هذا التطور لم يُقرأ كحادثة عسكرية فقط، بل كإشارة إلى مرحلة جديدة من الصراع، تعكس قدرة التنظيم على استهداف قيادات رفيعة باستخدام تكتيكات أكثر جرأة، ما يضع الحكومة النيجيرية والقوات الإقليمية أمام اختبار صعب في ساحة معقدة تعاني هشاشة أمنية منذ سنوات.
وتشكل هذه العملية تحوّلاً نوعياً في أسلوب الهجمات التي اعتادت عليها المنطقة؛ إذ إن استهداف شخصية عسكرية بهذا المستوى يؤكد أن التنظيم لا يزال قادراً على التكيف وتطوير أدواته رغم سنوات الضغط العسكري.
ويثير ذلك تساؤلات واسعة حول نقاط الضعف الاستخباراتية التي سمحت بوقوع الكمين، وحول مدى قدرة أبوجا على إعادة ضبط عملياتها الميدانية.
كما يعكس التصعيد أن الجماعات المسلحة تستثمر حالة التشتت الأمني في منطقة تمتد عبر دول عدة مثل نيجيريا وتشاد والنيجر والكاميرون، ما يعقّد جهود المواجهة ويحول دون بناء جبهة موحدة لملاحقة التنظيمات المتطرفة، ويضع ذلك المدنيين في قلب دائرة الخطر، باعتبارهم الحلقة الأضعف في هذا المشهد المتفجر.
وفي ظل غياب الاستقرار، تتزايد المخاوف من أن يؤدي هذا الهجوم إلى فتح الباب أمام موجة جديدة من العمليات الانتقامية وكمائن أكثر تعقيداً، الأمر الذي قد يعيد الأزمة إلى مستويات شديدة الشراسة، لم تُشهد منذ ذروة توسع «بوكو حرام» قبل سنوات.
تأثير العملية على المدنيين: الحلقة الأضعف
بات المدنيون مرة أخرى في واجهة الأحداث، مع المخاوف من أن يترجم هذا التصعيد العسكري إلى مزيد من موجات النزوح، خصوصاً في ولاية بورنو التي تُعد البؤرة الأشد سخونة في الصراع.
وتشير التقديرات الإنسانية إلى أن أي تراجع في السيطرة الأمنية غالباً ما يتبعه تمدد للجماعات المتطرفة داخل القرى والهامش الريفي، ما يهدد حياة آلاف السكان الذين عانوا طويلاً من تقلبات الحرب.
وفي مخيمات النازحين المنتشرة في محيط مايدوغوري، يسود قلق عارم بين الأهالي الذين تابعوا بصدمة إعلان «داعش في غرب أفريقيا»، فالمعارك الكبيرة ليست مجرد أخبار عابرة بالنسبة لهم، بل تنعكس مباشرة على حياتهم اليومية، سواء عبر التشديد الأمني أو تقليص المساعدات أو اضطرارهم للانتقال مرة أخرى إلى أماكن أكثر أمناً، إن وُجدت.
وتُظهر شهادات العاملين في مجال الإغاثة أن بعض العائلات بدأت بالفعل في البحث عن طرق للهرب نحو الداخل النيجيري، بعيداً عن مناطق التماس، خوفاً من أن تعيد الجماعات المسلحة فرض حضورها على الطرق الرئيسية، ما قد يعزل المخيمات عن طرق الإمداد الحيوية، ومع ذلك، يبقى التنقل محفوفاً بالخطر، خصوصاً على الطرق التي شهدت عمليات خطف متكررة.
ومع كل عملية كبيرة يشنها التنظيم، تعود منظمة الأمم المتحدة وشركاؤها إلى التحذير من «حلقة الخطر الإنساني»، حيث يؤدي انعدام الأمن إلى تعطيل وصول المساعدات، ما يدفع السكان للاعتماد على مصادر غير آمنة، ويخلق بيئة خصبة لتجنيد الشباب اليائسين، في دائرة مغلقة تبدو بلا نهاية واضحة.
فراغات السيطرة: كيف يستغلها داعش؟
يُجمع الخبراء الأمنيون على أن قدرة التنظيم على تنفيذ كمين محكم ضد موكب عسكري رفيع المستوى تعود إلى استغلاله فراغات السيطرة الأمنية في محيط بحيرة تشاد، وهي منطقة يصعب على الجيوش تأمينها بسبب طبيعتها الجغرافية الوعرة وتعقيداتها الحدودية.
وتُعد هذه المناطق المفتوحة بيئة نموذجية لنشاط الجماعات المسلحة التي تتحرك بسهولة بين الممرات المائية والقرى النائية.
ويعتبر مراقبون أن التنظيم بات أكثر قدرة على استخدام الطائرات المسيّرة وأنظمة مراقبة بدائية لكنها فعالة، تسمح له برصد تحركات القوات الحكومية بدقة، وهو ما يرجّح أن الكمين الأخير لم يكن عشوائياً، بل نتاج تخطيط طويل وقراءة أمنية عميقة لمسارات الدوريات العسكرية.
وتكشف هذه القدرة عن فجوات استخباراتية خطيرة يجب على الجيش النيجيري التعامل معها على وجه السرعة.
كما يستفيد التنظيم من ضعف التعاون الاستخباراتي بين بلدان المنطقة، وهو ما يسمح له بالفرار من منطقة عمليات معينة فور تنفيذ هجوم كبير، والاختباء في الجانب الآخر من الحدود، قبل أن تبدأ القوات المشتركة في التحرك، وهذا التشتت يمنحه أفضلية ميدانية يصعب كسرها دون تنسيق إقليمي فعّال ومتاح على مدار الساعة.
ولم يعد التنظيم يعتمد فقط على العمليات الانتحارية التقليدية، بل بات يميل لعمليات توغل صغيرة ومنظمة، تستهدف رموز القوة الحكومية لإثبات قدرته على فرض المعادلة، وهذا الأسلوب يهدف قبل كل شيء إلى إرباك الجيش وزعزعة ثقة المدنيين بقدرة الدولة على حمايتهم، وبالتالي خلق حالة فراغ أمني تسهل تمدده.
أزمة ممتدة منذ 16 عاما
لأكثر من 16 عاماً، تعيش نيجيريا وشركاؤها في دول بحيرة تشاد صراعاً معقداً مع الجماعات المتطرفة التي تغيرت مسمياتها وهيكلياتها، لكنها احتفظت بنفس الأدوات العنيفة، فقد أسفر النزاع عن مقتل أكثر من 40 ألف شخص، ونزوح ما يقرب من مليوني إنسان، ما يجعل هذه الأزمة واحدة من أطول الأزمات غير المعلنة في أفريقيا.
ورغم الإنجازات التي حققتها القوات النيجيرية بين عامي 2018 و2021، فإن الصراع لم ينتهِ، بل تغيّر شكله، مع ميل التنظيم إلى حرب العصابات والهجمات السريعة، بدلاً من السيطرة على أراضٍ واسعة كما كان يحدث في السابق، وهذا التغيير في التكتيكات زاد من صعوبة المواجهة، لأن تحديد مواقع التنظيم بات أكثر تعقيداً.
وتشير تقارير إقليمية إلى أن الجماعات المسلحة أصبحت أكثر انخراطاً في شبكات تهريب عبر الحدود، سواء في تهريب البشر أو الأسلحة أو الوقود، ما يوفر لها موارد مالية مستقرة تسمح بتمويل عملياتها، وتزيد هذه الأنشطة من صعوبة مراقبة المنطقة، خصوصاً في ظل غياب سيطرة كاملة على المناطق الحدودية.
ومع مقتل اللواء أوبا – إذا تأكد رسميّاً – فإن كثيرين يرون أن الصراع يدخل مرحلة جديدة، قد تدفع الحكومة النيجيرية لإعادة تقييم خططها الميدانية، وربما الاعتماد على دعم دولي أكبر، سواء من الولايات المتحدة أو من التحالفات الأفريقية التي تراقب عن كثب تمدد «داعش في غرب أفريقيا».
هشاشة الحدود هي مفتاح الأزمة
يرى الدكتور موسى كوناري، المتخصص في الأمن الإقليمي في جامعة باماكو، أن ما يحدث اليوم في محيط بحيرة تشاد ليس مجرد تصعيد لحظي، بل نتيجة تراكمات طويلة من الفشل في إدارة الجغرافيا الحدودية.
ويشير إلى أن المنطقة تعاني منذ سنوات من غياب التنسيق في جمع المعلومات الاستخباراتية، ما يمنح الجماعات المسلحة هامش حركة كبيراً يمكنها من تنفيذ هجمات معقدة.
ويؤكد كوناري أن التنظيمات المتطرفة وجدت في بحيرة تشاد بيئة مثالية للتمدد، بسبب الطبيعة الجغرافية التي توفر مخابئ طبيعية، إضافة إلى الفقر المدقع الذي يعاني منه السكان، ما يجعل التجنيد أمراً سهلاً، ويرى أن سدّ هذه الثغرات يتطلب استراتيجية إقليمية ملزمة، لا مجرد تعاون ظرفي ينشط فقط عقب الهجمات الكبرى.
وبحسب كوناري، فإن استهداف اللواء أوبا يعكس تحولاً نوعياً في قدرات «داعش في غرب أفريقيا»، لأنه يضرب في عمق الهيكل القيادي للجيش، وهو ما يهدف إلى إضعاف معنويات الجنود والإيحاء بأن التنظيم قادر على الوصول إلى أي شخصية مهما كانت محمية، ويضيف أن هذا النوع من الهجمات يخلق حالة من الارتباك، قد تستغلها الجماعات لفرض مزيد من السيطرة على القرى النائية.
ويحذر الخبير من أن عدم التحرك السريع لسد الفجوات الأمنية سيؤدي إلى حلقة جديدة من العنف، قد تُفقد فيها الدول المطلة على البحيرة أجزاء إضافية من السيطرة، ويشدد على أهمية تعزيز التكنولوجيا العسكرية، خصوصاً أن الجماعات المسلحة أصبحت تعتمد على أدوات مراقبة حديثة، ما يتطلب معدات مضادة أكثر تطوراً.
داعش يعيد صياغة استراتيجية التمرد
يطرح جون بيترسون، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن، رؤية مغايرة، إذ يرى أن تصعيد «داعش في غرب أفريقيا» ليس مجرد رد فعل على الضغوط العسكرية، بل جزء من إعادة صياغة كاملة لأسلوب التمرد في المنطقة.
ويشير إلى أن التنظيم يستفيد من انشغال القوى الدولية بملفات أخرى، ليعيد بناء نفسه عبر تكتيكات غير تقليدية.
ويعتقد بيترسون أن استهداف اللواء أوبا يأتي في إطار استراتيجية واسعة تهدف إلى ضرب «القلب القيادي» للقوات الحكومية، لإرباك خطوط القيادة والسيطرة، وهو تكتيك استخدمته جماعات أخرى في أفغانستان والعراق قبل سنوات، ويضيف أن التنظيم يراقب عن كثب ردود فعل الجيش النيجيري، ليحدد خطواته القادمة وفق مستوى التوتر والاستجابة.
ويرى الخبير أن التنظيم يستغل الانقسام الداخلي بين الأجهزة الأمنية النيجيرية، والتي تعاني أحياناً من ضعف التنسيق، خصوصاً في المناطق النائية. هذه الثغرات تمنحه قدرة أكبر على التخطيط والتنفيذ.
كما يشير إلى أن استخدام الطائرات المسيّرة في جمع المعلومات بات سمة بارزة لأعمال التنظيم، ما يفرض تحديات جديدة على الجيش.
ويختتم بيترسون بأن منع تمدد «داعش في غرب أفريقيا» يتطلب تحركاً دولياً أكبر، خصوصاً أن التنظيم بدأ يوسّع عملياته نحو مناطق صحراوية في النيجر وتشاد، ويرى أن أي تلكؤ في دعم جهود مكافحة الإرهاب قد يترك فراغاً تستفيد منه التنظيمات المتطرفة لإعادة تشكيل نفوذها.






