بين جدران الزنازين الضيقة، حيث لا نافذة سوى شق صغير بالكاد يسمح بمرور خيط من الضوء، يعيش الأسرى الفلسطينيون معركة يومية مع المرض والإهمال. أجساد أنهكتها سنوات الاعتقال صارت ساحة مفتوحة لسياسات ممنهجة من الإهمال الطبي، تترجمها سلطات الاحتلال إلى نوع من القتل البطيء الذي يترك أثره في كل نفس، وفي كل عظم يتآكل بصمت.
أحد الأسرى المفرج عنهم مؤخراً يروي أن السعال الحاد الذي لازمه لأشهر لم يكن مجرد نزلة برد، بل مرض رئوي مزمن لم يُشخَّص داخل السجن. لم يتلق سوى بعض المسكنات وحبوب للنوم، حتى اكتشف بعد خروجه أن رئتيه مصابتان بتليف يحتاج علاجاً طويل الأمد. آخرون خرجوا على كراسي متحركة بعدما دخلوا السجون شباباً أصحاء، فيما يصف ذووهم التحول الصادم في ملامحهم وأجسادهم عند لحظة الإفراج.
تعذيب ممنهج بدون سلاح
القصص كثيرة ومتكررة: أسرى يعانون من آلام في المفاصل والعظام حتى يعجزون عن الحركة، وآخرون يشكون من فقدان النظر أو السمع، دون أن يجدوا أدنى استجابة طبية. يروى أحد الأسرى أنه كان يضطر إلى طرق باب الزنزانة طوال الليل بسبب ألم الأسنان الذي كان يوقظه من النوم، لكنه لم يحصل إلا على حبة مسكن. وحين سُمح له بعد شهور بالذهاب إلى طبيب السجن، اكتشف أن أسنانه قد تآكلت تماماً.
الأمراض الجلدية مثل الجرب تنتشر بسرعة بين المعتقلين الذين ينامون متلاصقين في أفرشة رطبة وقديمة. الحكة المستمرة، والجروح التي تتكون من كثرة الحك، تتحول إلى التهابات مزمنة. ورغم معرفة إدارة السجون بحجم العدوى، فإنها تكتفي بتوزيع مرهم رخيص لا يكفي سوى لساعات، وكأن الهدف إبقاء المرض جزءاً من الحياة اليومية للأسير.
أسرى بعد الإفراج
ما يفاقم المأساة أن الأسرى يعرفون تماماً أن أجسادهم تتحول إلى عبء إضافي عليهم وعلى عائلاتهم بعد الإفراج. أحدهم يقول إنه لم يعد قادراً على احتضان أطفاله أو اللعب معهم بسبب آلام العمود الفقري التي أصيب بها جراء الإهمال. آخرون يتحدثون عن عائلات أُجبرت على تحويل كل إمكانياتها المادية لتغطية تكاليف العلاج، بينما كان المرض نتيجة مباشرة لسنوات الاعتقال.
وسط هذا الواقع، لا يبدو أن السجن هو جدران حديدية وأسوار عالية فقط، بل منظومة كاملة صُممت لتترك الأسير أسيراً حتى بعد خروجه، عبر أجساد منهكة وأمراض مزمنة وذاكرة محملة بالوجع. ورغم ذلك، فإن ما يبقى في عيونهم ليس فقط أثر المرض، بل إرادة تتشبث بالحياة وتروي تفاصيلها كي لا يظل الألم حبيس الجدران.




