تعكس مصادقة الكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين تحوّلاً خطيراً في بنية السياسات الإسرائيلية، حيث ينتقل التعامل مع ملف الأسرى من إطار الإجراءات الأمنية إلى مستوى التشريع الرسمي لعقوبة الإعدام، بما يحمله ذلك من تداعيات قانونية وإنسانية واسعة. فالقضية لم تعد تتعلق بممارسات ميدانية أو سياسات ضمنية، بل باتت جزءاً من منظومة قانونية تُشرعن استخدام أقصى درجات العقاب، في سياق يتسم بتصاعد نفوذ التيارات اليمينية المتشددة داخل الحكومة.
ويكشف هذا التطور عن مسار تراكمي في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، يقوم على إعادة صياغة أدوات السيطرة، من الممارسة الفعلية إلى التقنين القانوني، بما يمنح هذه السياسات غطاءً رسمياً ويقلل من كلفة المساءلة الدولية. وفي هذا الإطار، يصبح القانون الجديد امتداداً لتحولات أوسع في الخطاب والممارسة، حيث يجري إعادة تعريف مفاهيم مثل “الأمن” و”الردع” بما يبرر إجراءات أكثر تشدداً، تصل إلى حد المساس المباشر بالحق في الحياة.
موجة غضب عارمة
مصادقة الكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون يقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين، فجّر موجة غضب عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تفاعل آلاف النشطاء مع القرار بوصفه تصعيدًا خطيرًا يمس حياة آلاف الأسرى، ويفتح الباب أمام مرحلة غير مسبوقة من الانتهاكات داخل السجون.
“ما يجري لا يمكن فصله عن سياق طويل من السياسات الإسرائيلية القائمة على القتل. ومتى لم تمارس إسرائيل الإعدام بحق الفلسطيني؟”، كما أن المسألة لا تتعلق بوجود قانون من عدمه، بل بمسار كامل يتغير اسمه دون أن يتبدل جوهره. فضلا عن أن هذا المسار بدأ منذ عام 1948 بما وصفه “التأسيس بالعنف” عبر مجازر لتثبيت السيطرة، مرورًا بفترة الحكم العسكري بين عامي 1948 و1966 التي شهدت إطلاق النار لضبط الداخل، وصولًا إلى الانتفاضات حيث ترسخت “عقيدة القتل”، ثم مرحلة ما بعد عام 2000 التي اتسمت بسياسة “التحييد الفوري”، واليوم يجري تقنين هذه الممارسات وتحويلها إلى سياسة تُناقش قانونيًا. حسب تصريحات الخبير في الشأن الإسرائيلي إيهاب جبارين لوكالة شهاب.
وأضاف أن اللغة المستخدمة تغيّرت عبر السنوات، من “تطهير” إلى “أمن” ثم “مكافحة الإرهاب” وصولًا إلى “التحييد”، إلا أن الجوهر بقي ثابتًا، وهو “احتكار إسرائيل لقرار الحياة والموت بحق الفلسطينيين دون محاكمة”.
انتهاكات جسيمة داخل سجون الاحتلال
وأعرب الكاتب والإعلامي المصري عبدو فايد عن صدمته من القرار، واصفًا إياه بـ”الفاجعة”، في ظل ما يعيشه آلاف الأسرى داخل سجون الاحتلال، متسائلًا عن وقع الخبر عليهم، خاصة في ظل ما يتعرضون له من ظروف قاسية وانتهاكات موثقة. مشيرًا إلى أن آلاف الأسرى يواجهون أوضاعا إنسانية صعبة، من نقص الغذاء والشراب، إلى انتهاكات جسيمة، مؤكدا أن كثيرين منهم فقدوا عائلاتهم جراء القصف والجوع والعطش، ليجدوا أنفسهم اليوم أمام قرار يهدد حياتهم بشكل مباشر.
وانتقد فايد حالة الصمت العربي تجاه ما يجري، متسائلا عن غياب أي تحرك جاد في ظل تصاعد الأحداث، سواء فيما يتعلق بالأسرى أو بالانتهاكات الأوسع، داعيا إلى عدم تجاهل قضيتهم والاستمرار في تسليط الضوء على معاناتهم داخل السجون.
معاناة الأسرى داخل سجون الاحتلال لا يدركها إلا من عاش تفاصيلها، كما أن تجربته الشخصية كابن لأسيرة فلسطينية كانت من أوائل من ذاقوا مرارة الاعتقال في تاريخ النضال الفلسطيني. فضلا عن أن واقع الأسرى يتجسد في التعذيب والعزلة ودموع عائلاتهم، كما أن مصادقة الكنيست على قانون إعدام الأسرى تمثل جريمة جديدة تُضاف إلى سجل انتهاكات الاحتلال بحق الفلسطينيين. حسب تصريحات الكاتب والشاعر الفلسطيني جهاد الترباني لوكالة شهاب.
شعب دموي متعطش للدماء العربية
وفي السياق ذاته، وصف الناشط على منصة إكس (معاذ) اليوم بأنه “صعب للغاية” فيما يتعلق بملف الأسرى الفلسطينيين، في ظل الإعلان الرسمي عن الشروع في إعدامهم داخل معسكرات الاعتقال عقب تصويت الكنيست على القانون. مشيرًا إلى أن هذا القرار يعكس مرحلة خطيرة من التصعيد، لافتا إلى تداول مقاطع تُظهر احتفاء ما يسمى وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بإقرار القانون، في مشهد أثار حالة واسعة من الغضب والاستنكار بين النشطاء.
ونشرت الناشطة سمر الجراح، صورا لمجرم الحرب بن غفير رفقة أعضاء في كنيست الاحتلال الإسرائيلي وكتبت “شعب دموي متعطش للدماء العربية”. وفي السياق، عبّر الصحفي الفلسطيني محمد هنية عن ألمه الشديد من القرار، معتبرا أن إقرار تنفيذ حكم الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين يمثل تطورا خطيرا يهدد حياة الآلاف داخل سجون الاحتلال. وقال هنية “وبكل ما في الكون من ألم.. الاحتلال يُقرّ تنفيذ حُكم الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين ! 10 آلاف أسير فلسطيني يواجهون الإعدام، شنقا وحقنا ولسعا بالكهرباء ! حسبي الله ونعم الوكيل.. حسبي الله ونعم الوكيل”.





