في ظل تصاعد التوترات الإقليمية ودخول جماعة الحوثي على خط المواجهة دعماً لإيران، عاد مضيق باب المندب إلى واجهة المخاطر الجيوسياسية، باعتباره أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
وأعادت التهديدات المتجددة باستهداف السفن التجارية المخاوف من اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن، ما وضع عملية “أسبيدس” البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي أمام اختبار جديد لقدرتها على تأمين الملاحة في بيئة شديدة التعقيد.
مهمة دفاعية مستمرة
وأكد الأدميرال فاسيليوس غريباريس، قائد عملية “أسبيدس”، أن العملية تواصل أداء مهامها الدفاعية لضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، مشدداً على الالتزام الكامل بالقانون الدولي.
وأوضح أن الوجود البحري المستمر للعملية يمثل عامل ردع رئيسي، حيث يسهم في حماية السفن التجارية وتأمين خطوط الملاحة الحيوية.
وأشار إلى أن احتمال استئناف الحوثيين هجماتهم لا يزال قائماً، لكنه أكد في الوقت ذاته أن القوات الأوروبية “على أهبة الاستعداد” للتعامل مع أي تصعيد محتمل، في إطار تفويضها الدفاعي.
تقييمات يومية وتحذيرات لقطاع الشحن
وكشف غريباريس أن “أسبيدس” تعتمد على نظام متطور لمتابعة المخاطر، يشمل تقييمات يومية للموقف الأمني في المنطقة، مع إجراء تعديلات عملياتية عند الضرورة. كما تعمل على إبلاغ شركات الشحن عبر مركز معلومات أمن الملاحة البحرية، بما يضمن اتخاذ التدابير الاحترازية المناسبة.
هذا التنسيق المستمر مع قطاع الملاحة يعكس إدراكاً متزايداً لحساسية الوضع، خاصة مع تزايد التهديدات وتعدد أطراف الصراع في المنطقة.
وأدت تهديدات الحوثيين إلى زيادة واضحة في طلبات الحماية المقدمة من شركات الشحن، ووفقاً لبيانات قائد العملية، ارتفع عدد الطلبات من 85 طلباً في أكتوبر 2025 إلى 130 طلباً في مارس 2026، بنسبة زيادة بلغت 53%.
ويعكس هذا الارتفاع حالة القلق التي تسيطر على شركات النقل البحري، خاصة بعد حوادث استهداف سابقة، من بينها الهجوم على سفينة الشحن الهولندية “مينيرفاجراخت”. كما يشير إلى تزايد الاعتماد على الحماية العسكرية لتأمين المرور في هذا الممر الحيوي.
ارتباط التصعيد بالصراع الإقليمي الأوسع
ولا يمكن فصل تهديدات باب المندب عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تتقاطع مع التوترات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وتشير تقارير إلى ضغوط إيرانية محتملة على الحوثيين لاستهداف الملاحة في البحر الأحمر، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيد قد تؤثر على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع أزمة مضيق هرمز، ما يضاعف من المخاطر على إمدادات النفط والغاز، ويضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ مزدوج يتعلق بأمن الممرات البحرية الاستراتيجية.
هل تتوسع “أسبيدس” إلى مضيق هرمز؟
رغم الدعوات لتوسيع نطاق عملية “أسبيدس” ليشمل مضيق هرمز، أوضح غريباريس أن هذا القرار يتطلب موافقة مجلس الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن التركيز الحالي ينصب على تعزيز فعالية العمليات في البحر الأحمر.
وتدور مناقشات داخل الاتحاد الأوروبي حول أفضل السبل للتعامل مع التحديات المتزايدة، في ظل الحاجة إلى توزيع الموارد بشكل يضمن الاستجابة الفعالة دون تشتيت الجهود.
وتأسست عملية “أسبيدس” في فبراير 2024 كاستجابة مباشرة لهجمات الحوثيين على الملاحة الدولية، وتم تمديد مهمتها مؤخراً حتى فبراير 2027، في خطوة تعكس إدراكاً أوروبياً لطبيعة التهديد طويل الأمد.
ومع استمرار التوترات، تبدو “أسبيدس” أمام اختبار مفتوح، فبين الحفاظ على حرية الملاحة وردع الهجمات، تبقى قدرة العملية على التكيف مع تطورات المشهد الإقليمي العامل الحاسم في تأمين واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.






