شهدت العاصمة الإيرانية طهران مراسم تشييع رسمية حاشدة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، في حدث مفصلي تجاوزت أبعاده وداع الراحل لتكشف عن الملامح الأولى للمرحلة الانتقالية ومستقبل التوازنات السياسية والعسكرية للبلاد. وبينما خيّم غياب المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، عن المشهد العلني على طقوس الجنازة، أطلق رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، مواقف لافتة أكد فيها أن تنفيذ التفاهمات الأخيرة مع واشنطن “صعب لكنه ممكن”، شريطة ألا يتمخض عن ذلك أي سلام دائم أو اعتراف بإسرائيل.
قاليباف ووفد “حماس”: الدبلوماسية في خدمة الميدان
جاءت تصريحات قاليباف الأبرز خلال عقده اجتماعاً رفيع المستوى مع وفد من حركة “حماس” برئاسة رئيس مجلس قيادتها محمد إسماعيل درويش، حيث ركزت المباحثات على معادلة التوفيق بين المفاوضات الإستراتيجية والدعم العسكري:
تفكيك العقد العسكرية: شدد قاليباف على أن الدور الأساسي للدبلوماسية في المرحلة الحالية يكمن في “فك العقدة العسكرية” وتثبيت المكاسب الميدانية التي حققها مقاتلو الميدان، محذراً من الدخول في “مفاوضات من أجل المفاوضات”.
ازدواجية الصواريخ والتفاوض: أوضح رئيس البرلمان أن طهران مستمرة في إسناد “جبهة المقاومة” بأشكال متعددة؛ إذ سيكون الدعم بالصواريخ إذا اقتضت الحاجة، فيما سيتحول إلى ضغط سياسي عبر قنوات التفاوض إذا استلزم الأمر.
الخطوط الحمراء الإستراتيجية: حسم قاليباف الموقف الإيراني تجاه الخصوم التاريخيين بتأكيده أن طهران ليست في حالة سلام مع الولايات المتحدة، ولن تمنح إسرائيل أي اعتراف رسمي تحت أي ظرف.
مراسم التشييع: غياب المرشد الجديد وأزمة “دعوات الرؤساء”

في مصلّى طهران الكبير، تجلت ملامح المشهد الداخلي الإيراني في لحظة تاريخية عكست تبدلاً في هرم السلطة وإدارة المشهد السياسي:
حضور العائلة والقيادة: شارك في صلاة الجنازة قادة البلاد بحضور أبناء المرشد الراحل (مصطفى وميثم ومسعود خامنئي)، إلى جانب الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، وقادة الصف الأول في “الحرس الثوري”.
الاحتجاب المدروس للمرشد الجديد: أثار الغياب العلني للمرشد الأعلى الجديد ونجل الراحل، مجتبى خامنئي، تساؤلات واسعة؛ إذ لم يظهر في المناسبات العامة منذ اختيار مجلس خبراء القيادة له مرشداً للثورة في مارس/آذار الماضي، وهو ما يفسره مراقبون كخطوة أمنية وتنظيمية مدروسة لترتيب أوراق العهد الجديد.
إقصاء الرؤساء السابقين: فجّر غياب الرؤساء الإيرانيين السابقين؛ محمد خاتمي، وحسن روحاني، ومحمود أحمدي نجاد، موجة انتقادات حادة داخل الأوساط السياسية، وسط اتهامات للجهة المنظمة بسوء إدارة الدعوات الرسمية وتعمد تغييب رموز التيارات السياسية التاريخية عن الحدث الجامع.
أولى خطوات العهد الجديد: تجديد الثقة برئيس القضاء
بالتزامن مع أجواء الجنازة، اتجهت الأنظار نحو القرارات السيادية الأولى الصادرة باسم المرشد الجديد مجتبى خامنئي، والتي حملت دلالات تنظيمية هامة:
تثبيت أركان المؤسسة القضائية: أصدر المرشد الجديد قراراً رسمياً بإبقاء غلام حسين محسني إجئي على رأس السلطة القضائية لولاية ثانية، في خطوة قطعت الطريق أمام التكهنات والتسريبات السابقة التي رجحت احتمال تعيين شخصية بديلة تكون أكثر قرباً واندماجاً في الدائرة الضيقة للمرشد الجديد. يعكس هذا التعيين رغبة القيادة الجديدة في الحفاظ على استقرار المؤسسات الحيوية والابتعاد عن الهزات الإدارية المفاجئة في مستهل الحقبة السياسية الجديدة.






