يحمل الإعلان الرسمي السوري عن عزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إجراء زيارة مرتقبة إلى دمشق دلالات سياسية وإستراتيجية بالغة الأهمية. وتأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه البلاد لتجاوز جراح الحرب وإعادة بناء مؤسساتها، وسط بيئة إقليمية ممتلئة بالتفاعلات الأمنية المعقدة. وتكتسب الجولة المرتقبة وزناً دولياً استثنائياً لكون ماكرون أول زعيم دولة من أوروبا الغربية يزور العاصمة السورية منذ اندلاع الأحداث، مما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول توقيت التحرك الفرنسي والملفات المطروحة في جعبة باريس.
دوافع باريس: الاستثمارات الواعدة والموقع الإستراتيجي شرقي المتوسط
تتحرك الدبلوماسية الفرنسية مدفوعة برغبة حثيثة في تحقيق مكاسب مزدوجة، اقتصادية وجيوسياسية:
حصة في كعكة الإعمار: يعكس تشكيل الوفد الفرنسي المرافق، الذي يضم مستثمرين ورؤساء شركات كبرى، طموح ماكرون في اقتناص حصة وافرة من مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار. وتراهن باريس على التوجهات الاقتصادية الجديدة لسوريا، والتي تتجه بشكل حثيث نحو آليات السوق الحر وتلبية متطلباته.
النفوذ الإستراتيجي شرقي المتوسط: تسعى باريس عبر هذه المحطة إلى حجز موطئ قدم إستراتيجي في عقدة جغرافية حيوية شرقي البحر الأبيض المتوسط، ضمن مساعي الإليزيه لإعادة إحياء النفوذ الفرنسي الخارجي. وتستند فرنسا في مقاربتها الحالية إلى رصيدها المعنوي كواحدة من أوائل الدول الغربية التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع نظام بشار الأسد المخلوع وأغلقت سفارتها احتجاجاً على حملات القمع الممنهجة.
ملفات الطاولة المستديرة: من المتوقع أن تركز المباحثات الثنائية بين ماكرون ونظيره السوري أحمد الشرع على تطوير العلاقات السياسية، تعزيز التعاون الاستثماري، ودعم جهود إعادة بناء البنية التحتية السورية التي دمرتها العمليات العسكرية وقصف النظام المخلوع على مدار 14 عاماً.
الانفتاح نحو الغرب: محاور إعادة التموضع السياسي لدمشق

تتزامن خطوة الإليزيه مع تحول عميق وجذري في الإستراتيجية الخارجية للدولة السورية:
الاتجاه غرباً: تقود العاصمة دمشق مرحلة إعادة تموضع سياسي لافتة نحو المعسكر الغربي، واضعةً حداً لعقود طويلة من الارتباط العضوي بالمعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفيتي السابق.
استعادة الدور الإقليمي: يهدف الرئيس السوري أحمد الشرع من خلال هذا الانفتاح إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة دور سوريا المحوري في المنطقة.
كسر العزلة الدولية: تُرجم هذا المسار الجديد برفع الغرب للعقوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهل السوريين لسنوات، إلى جانب جولة زيارات رسمية أجراها الشرع شملت باريس ولندن. كما شكلت مشاركته العام الماضي في اجتماعات الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك حدثاً استثنائياً عكس التحول الدولي تجاه القيادة السورية الجديدة.
حقول الألغام الدبلوماسية: أزمة “قسد” والسيادة الداخلية
رغم الآفاق الواعدة، فإن طموحات باريس قد تواجه مزاجاً سورياً متحفظاً ناتجاً عن ملفات خلافية حساسة:
دعم الإدارة الذاتية: تبدي الأوساط السورية استياءً من سلسلة خطوات فرنسية وُصفت بالخاطئة في مقاربة الملف الكردي، تمثلت في تقديم باريس الدعم لمشروع “الحكم الذاتي” الذي قادته نخب كردية عبر “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مستغلةً انشغال قوى الثورة في مواجهة النظام المخلوع وحلفائه.
استقبل مظلوم عبدي: زاد من حدة التوتر الدبلوماسي استقبال باريس الشهر الماضي للقائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي. وتنظر دمشق إلى هذا التحرك الرسمي الفرنسي كنوع من التدخل غير المقبول في الشأن الداخلي السوري عبر الاحتفاء بشخصيات لا تملك صفة رسمية في الدولة.
تحدي السيادة والاستقلالية: يفرض التراث التاريخي المشترك تحدياً بين رغبة فرنسا التقليدية في مدّ عباءتها “الفرانكفونية” ونفوذها الثقافي، وبين طبيعة النظام السياسي الجديد في سوريا الذي أفرزته ثورة شعبية ترفض التبعية وتتمسك بالقرار الوطني المستقل.
التراتبية الدولية: دمشق تستقبل الزعيم الرابع بعد الثورة
تمنح زيارة ماكرون المرتمية -في حال إتمامها كأول رئيس فرنسي يزور دمشق منذ زيارة نيكولا ساركوزي عام 2009- زخماً سياسياً كبيراً للقيادة السورية الجديدة. وسيكون الرئيس الفرنسي الزعيم الرابع الذي تستقبله سوريا في عهدها الجديد، مكملاً لسلسلة زيارات إستراتيجية رفيعة المستوى حظيت بها العاصمة دمشق:
أمير دولة قطر: الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي زار دمشق أواخر العام الماضي.
رئيسة المفوضية الأوروبية: أورسولا فون دير لاين، في يناير الماضي.
الرئيس الأوكراني: فولوديمير زيلينسكي، في أبريل الماضي.
يُنتظر أن تسهم هذه الخطوة الدبلوماسية الفرنسية في دمج سوريا بشكل أعمق داخل مسار التطبيع السياسي الشامل مع الغرب، مما يدعم جهودها في معالجة الملفات الاقتصادية والأمنية المعقدة، ويوفر بيئة دولية مستقرة لاستكمال بناء الدولة الجديدة.






