يشير تقليص جيش الاحتلال الإسرائيلي لقواته في قطاع غزة، في ظل التصعيد الإقليمي الناتج عن الحرب مع إيران، إلى تحولات استراتيجية لافتة في أولويات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ويكشف عن حجم الارتباك والتحديات المتراكمة التي تواجهها إسرائيل على أكثر من جبهة. فإعادة نشر الفرقة 98، التي تضم وحدات النخبة من المظليين والكوماندوز، من خان يونس إلى جبهات أخرى، تعكس قناعة إسرائيلية بضرورة إعادة التوزيع العملياتي لمواردها العسكرية بما يتلاءم مع المخاطر الوجودية الأكبر التي تلوح من اتجاهات خارج قطاع غزة.
توازن بين الضغط على حماس ومواجهة التهديد الإيراني
تخفيض القوات في غزة لا يعني نهاية العمليات العسكرية هناك، بل يكشف عن محاولة لتحقيق توازن هشّ بين الاستمرار في الضغط على حركة حماس وبين مواجهة التهديد الإيراني المباشر والمتصاعد، خصوصاً مع ظهور مؤشرات لتغير قواعد الاشتباك الإقليمية بعد الضربات المتبادلة بين إسرائيل وطهران. في هذا السياق، يبقى الاحتلال مهتماً بإبقاء حالة الاستنزاف في القطاع عند مستوى يمكن التحكم فيه، دون الانغماس في معركة قد تستنزف المزيد من الموارد وتربك خطوط الإمداد والتموضع العسكري.
كما أن نقل وحدات النخبة إلى جبهات الأردن ومصر يعكس قلقاً أمنياً متنامياً من احتمال فتح جبهات غير متوقعة، أو تنفيذ هجمات عبر الحدود من أطراف حليفة لإيران أو من جماعات مسلحة تستفيد من هشاشة الوضع الإقليمي. رفع عدد القوات على الحدود الأردنية إلى ثلاثة أضعاف، ونشر الفرقة 96 المستحدثة، يؤكد مخاوف تل أبيب من وجود ثغرات أمنية يمكن استغلالها في وقت تتشتت فيه جهود الجيش بين غزة، ولبنان، والداخل الإسرائيلي، والآن إيران.
أعباء سياسية وعسكرية
هذه التطورات تضعف صورة “الجيش الذي لا يُهزم”، وتؤشر إلى حدود القوة الإسرائيلية أمام اتساع رقعة الاشتباك، خصوصاً أن هذه الخطوة جاءت في توقيت يفترض فيه أن غزة تمثل إحدى أولويات الأمن القومي الإسرائيلي، لما تحمله من أعباء سياسية وعسكرية في آن. تقليص القوات في غزة قد يُفسَّر أيضاً على أنه إعادة تقييم لمدى جدوى العمليات العسكرية في القطاع في ظل الجمود السياسي وانعدام الأفق لتحقيق “نصر حاسم”.
في المحصلة، لا يُقرأ قرار تقليص القوات من غزة كدلالة على نهاية الحرب هناك، بل كمؤشر على التوتر الاستراتيجي في إسرائيل، ومحاولة لإعادة تموضع قسري فرضته تطورات الحرب مع إيران، في ظل واقع إقليمي مضطرب يُحتمل أن تكون له تداعيات بعيدة المدى على مجمل الوضع الأمني الإسرائيلي.






