لم يعد الليل في قرى جنوب سوريا موعداً للراحة، بل وقتاً يترقب فيه السكان أصوات المحركات العسكرية وحركة الطائرات المسيّرة، وسط مخاوف متزايدة من اقتحامات مفاجئة قد تنتهي بسقوط ضحايا. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد عام 2024، وسّعت إسرائيل نطاق وجودها العسكري في المنطقة، لتدخل بلدات وقرى سورية في دوامة من القلق والترقب، مع تكثيف عمليات التوغل خلال الأسابيع الأخيرة.
وفي قرية جملا، تتخذ هذه المخاوف وجهاً أكثر مأساوية. فهناك، يروي افتخار تفاصيل مقتل شقيقه معاذ، البالغ من العمر 46 عاماً، والأصم والمصاب بمتلازمة داون، خلال عملية عسكرية إسرائيلية ليلية امتدت من 20 إلى 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
«صرخ الجنود عليه ليتوقف. أخي لم يسمع»، يقول افتخار، مستعيداً اللحظات التي انتهت بمقتل شقيقه برصاص الجنود الإسرائيليين، وفق روايته.
وتكشف الحادثة، التي وقعت في قرية صغيرة قرب الجولان المحتل، جانباً من المخاطر التي يواجهها المدنيون مع تزايد العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا، حيث يجد السكان أنفسهم أمام واقع أمني متقلب، تتداخل فيه المداهمات الليلية مع الخوف من إطلاق النار والاعتقالات.
اقتحام ليلي يحوّل جملا إلى ساحة عسكرية
تقع جملا، التي يبلغ عدد سكانها نحو ألفي نسمة، قبالة الجزء من هضبة الجولان الذي تحتله إسرائيل، على مسافة تقارب 60 كيلومتراً من دمشق.
وفي الساعات الممتدة بين منتصف الليل والثانية صباحاً، دخلت نحو 12 مركبة عسكرية إسرائيلية إلى القرية، بحسب الرواية الواردة في التقرير. وانتشر الجنود في الشوارع، فيما صعد بعضهم إلى أسطح المنازل، وحلّقت طائرات مسيّرة فوق المنطقة.
وبينما كانت القوات تتحرك داخل القرية، وجد السكان أنفسهم أمام مشهد عسكري مفاجئ، في وقت كانت فيه العائلات تحاول فهم ما يجري وتجنب الوقوع في مرمى النيران.
وفي خضم هذه التحركات، قُتل معاذ. وبحسب رواية شقيقه، فإن إعاقته السمعية حالت دون استجابته لصراخ الجنود الذين طالبوه بالتوقف، لتنتهي المواجهة بمقتله.
وتسلط الحادثة الضوء على المخاطر الإضافية التي قد تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة خلال العمليات العسكرية، حين تتحول الأوامر المفاجئة والتحركات المسلحة إلى مواقف لا يملكون القدرة على فهمها أو الاستجابة لها بالسرعة المطلوبة.
من المنطقة العازلة إلى توسيع الوجود العسكري
تأتي هذه التطورات في سياق التحولات التي شهدها جنوب سوريا عقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. فقد وسّعت إسرائيل وجودها العسكري خارج المناطق التي كانت تسيطر عليها في الجولان، وتقدمت قواتها إلى مواقع داخل الأراضي السورية، في خطوة أثارت مخاوف بشأن مستقبل المنطقة وأمن سكانها.
وبررت إسرائيل تحركاتها باعتبارات أمنية، لكن استمرار التوغلات والعمليات داخل القرى والبلدات السورية أثار قلق السكان، الذين يخشون أن يتحول الوجود العسكري المتزايد إلى واقع طويل الأمد يهدد حياتهم اليومية.
ولا تقتصر آثار هذه التحركات على الانتشار العسكري وحده، إذ تمتد إلى شعور الأهالي بفقدان الأمان داخل مناطقهم، مع تكرار مشاهد الجنود في الشوارع والمركبات العسكرية قرب المنازل والطائرات المسيّرة في السماء.
وبالنسبة إلى سكان القرى الحدودية، لم تعد المسألة مرتبطة فقط بما إذا كانت مواجهة عسكرية واسعة ستندلع، بل أيضاً بما قد يحدث خلال توغل مفاجئ في منتصف الليل، حين تصبح حركة فرد خارج منزله كافية لتعريض حياته للخطر.
«الخوف دائم».. حياة معلّقة بين الترقب والمجهول
في جنوب سوريا، تتجاوز تداعيات التوغلات حدود الحوادث المنفردة لتطال الإحساس اليومي بالأمان. فمع كل عملية عسكرية جديدة، تتجدد المخاوف من سقوط ضحايا، أو وقوع اعتقالات، أو تعرض المنازل والممتلكات للأضرار.
ويعيش السكان، وفق الصورة التي ينقلها التقرير، تحت ضغط الترقب المستمر، في ظل صعوبة التنبؤ بمواعيد دخول القوات أو نطاق تحركاتها، وما إذا كانت العملية ستنتهي سريعاً أم ستترك وراءها آثاراً تمتد إلى الأيام التالية.
ويزيد موقع القرى القريب من الجولان المحتل من حساسية الوضع، إذ تجد التجمعات السكانية نفسها في منطقة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية الإسرائيلية مع هشاشة الأوضاع السورية بعد سقوط النظام السابق.
وفي هذا السياق، يصبح مقتل معاذ أكثر من حادثة فردية في نظر أسرته وأهالي القرية؛ فهو يعكس الكلفة الإنسانية التي قد يدفعها المدنيون عندما تتسع العمليات العسكرية لتشمل المناطق المأهولة بالسكان.
جنوب سوريا أمام مستقبل غامض
تضع التوغلات الإسرائيلية المتزايدة سكان جنوب سوريا أمام أسئلة صعبة بشأن أمنهم ومستقبل مناطقهم، خصوصاً في ظل غياب مؤشرات واضحة على عودة الاستقرار إلى القرى القريبة من الجولان المحتل.
وبينما تواصل إسرائيل تقديم تحركاتها باعتبارها إجراءات أمنية، تبقى حياة المدنيين في القرى المستهدفة رهينة التطورات الميدانية، فيما تتزايد المخاوف من أن يصبح الوجود العسكري المتكرر جزءاً دائماً من واقعهم اليومي.
وفي جملا، تختصر قصة معاذ جانباً من هذه المأساة: رجل لم يسمع صراخ الجنود، لكنه دفع حياته ثمناً للحظة تحولت فيها قريته إلى ساحة لعملية عسكرية.
أما بالنسبة إلى أسرته وجيرانه، فلا تنتهي آثار تلك الليلة بانسحاب المركبات العسكرية؛ إذ يبقى الخوف من التوغل التالي حاضراً، ويظل السؤال الذي يرافق السكان هو ما إذا كانت قراهم ستستعيد يوماً شعورها بالأمان.






