يواجه الجيش الإسرائيلي صعوبة متزايدة في التعامل مع الطائرات المسيرة المتفجرة التي يستخدمها حزب الله ضد قواته في جنوب لبنان، في وقت تشير فيه تقارير إسرائيلية إلى أن هذا السلاح فرض تحديات جديدة على القوات المنتشرة ميدانيًا، وأجبر الجيش على إعادة النظر في بعض أساليب الحماية والدفاع.
وقالت صحيفة هآرتس إن المسيرات، ولا سيما تلك التي يجري التحكم فيها عبر الألياف البصرية، أصبحت من أكثر التهديدات إرباكًا للقوات الإسرائيلية، بعدما تمكنت من تجاوز جانب من وسائل الحرب الإلكترونية التقليدية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل جنوب لبنان، بالتوازي مع تركيز جزء كبير من القدرات الجوية الإسرائيلية على جبهات أخرى، وهو ما تقول مصادر إسرائيلية إنه انعكس على طبيعة العمليات البرية.
مسيرات يصعب رصدها والتشويش عليها
وبحسب التقرير، بدأ حزب الله منذ أبريل/نيسان باستخدام مسيرات متفجرة يتم التحكم فيها بواسطة كابلات من الألياف البصرية.
وتختلف هذه المسيرات عن الطائرات المسيّرة التقليدية التي تعتمد على الاتصالات اللاسلكية، إذ إن استخدام الألياف البصرية يجعلها أقل عرضة لوسائل التشويش الإلكتروني المستخدمة ضد الطائرات المسيرة.
وكانت تقارير إسرائيلية قد أشارت في وقت سابق إلى أن هذا النوع من المسيرات أصبح تحديًا متزايدًا للقوات الإسرائيلية، خصوصًا بسبب قدرته على التحليق على ارتفاعات منخفضة والوصول إلى مناطق يصعب على أنظمة الرصد التقليدية اكتشافها في الوقت المناسب.
وبحسب التقرير الميداني الذي أوردته هآرتس، لا تملك القوات الموجودة في بعض المواقع سوى ثوانٍ معدودة لاكتشاف المسيرة قبل وصولها إلى هدفها.
وتشير المعطيات التي أوردها التقرير إلى مقتل 16 ضابطًا وجنديًا إسرائيليًا منذ نهاية أبريل/نيسان جراء هذه الهجمات، وهي أرقام تحتاج إلى نسبتها إلى المصدر الإسرائيلي الذي أوردها، في ظل عدم توفر تحقق مستقل منها.
“ميدان القتال تغير خلال أسابيع”
ونقل التقرير عن ضابط إسرائيلي وصفه للتحول الذي طرأ على ساحة القتال، قائلًا إن المشهد تغير خلال أسابيع قليلة بصورة تشبه الانتقال من أساليب الحرب العالمية الأولى إلى الثانية في فترة زمنية قصيرة.
ويعكس هذا التوصيف حجم القلق داخل الجيش الإسرائيلي من تطور استخدام المسيرات، ليس باعتبارها مجرد وسيلة إضافية للهجوم، وإنما كأداة يمكن أن تؤثر في حركة القوات البرية نفسها.
فالتهديد لا يقتصر على استهداف الجنود، بل يفرض على الوحدات المنتشرة في الميدان تغيير طرق تحركها، وتعزيز التحصينات، وتوفير وسائل إضافية لمراقبة المجال الجوي المنخفض.
وتشير تقارير سابقة إلى أن الجيش الإسرائيلي بدأ بالفعل البحث عن وسائل جديدة لاعتراض هذه المسيرات، بينها أنظمة تستخدم طائرات اعتراض وشباكًا لإسقاط المسيرات بدل الاعتماد فقط على وسائل التشويش أو الصواريخ الاعتراضية.
الألياف البصرية تتجاوز الحرب الإلكترونية
وتكمن أهمية المسيرات الجديدة في طبيعة طريقة التحكم بها.
فالطائرات المسيّرة التقليدية تعتمد على إشارات لاسلكية يمكن اكتشافها أو التشويش عليها، بينما يسمح الاتصال عبر الألياف البصرية باستمرار التحكم في المسيرة دون الاعتماد على موجات الراديو.
وهذا لا يجعل المسيرة غير قابلة للاكتشاف أو الاعتراض، لكنه يقلل من فاعلية واحدة من الوسائل التي تعتمد عليها الجيوش لمواجهة الطائرات المسيّرة.
وكانت تقارير عسكرية إسرائيلية قد تحدثت في أبريل/نيسان عن تحول المسيرات إلى عنصر رئيسي في عمليات حزب الله بجنوب لبنان، مشيرة إلى أن بعض النماذج يمكن تصنيعها بتكلفة منخفضة نسبيًا باستخدام مكونات تجارية، وهو ما يزيد صعوبة التعامل معها من منظور الكلفة والانتشار.
أزمة دفاع جوي على الجبهة اللبنانية
ويربط تقرير هآرتس بين صعوبة مواجهة المسيرات وبين طبيعة الحرب التي تخوضها إسرائيل على أكثر من جبهة.
وبحسب التقرير، فإن استئناف العمليات البرية في لبنان بالتزامن مع الحرب مع إيران في مارس/آذار جرى من دون إعداد عملياتي كاف، بينما كانت القوات البرية تعمل بغطاء جوي محدود بسبب تركيز سلاح الجو على الجبهة الإيرانية.
ويشير هذا التقييم، إذا صح، إلى مشكلة أوسع من مجرد تطور سلاح المسيرات: توزيع الموارد العسكرية بين جبهات متعددة في الوقت نفسه.
فالتفوق الجوي الإسرائيلي كان لعقود عنصرًا أساسيًا في طريقة إدارة العمليات البرية، لكن قدرة القوات على توفير الغطاء الجوي الدائم لكل الوحدات تصبح أكثر صعوبة عندما تتزامن العمليات في لبنان مع عمليات واسعة على جبهة أخرى.
آليات إسرائيلية متضررة على الطرق
ونقل التقرير عن مصادر ميدانية أن آليات عسكرية إسرائيلية معطلة باتت منتشرة على طرق في جنوب لبنان، بينها شاحنات وجرافات ومركبات مدرعة تعرضت لأضرار.
وبحسب التقرير، يجري سحب جزء من هذه الآليات لإصلاحها وإعادتها إلى الخدمة.
ويعكس ذلك جانبًا آخر من المشكلة التي تواجه القوات البرية: فكلما زادت الهجمات على طرق الإمداد وحركة القوات، ارتفعت الحاجة إلى حماية المركبات والهندسة العسكرية التي تعمل على فتح الطرق وبناء الجسور والتحصينات.
الجيش يغير طريقة انتشاره
وتقول هآرتس إن الجيش الإسرائيلي بدأ في المقابل بشق طرق جديدة ومد جسور وإنشاء تحصينات إضافية لحماية قواته المنتشرة في جنوب لبنان.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار عمليات تدمير واسعة في عدد من القرى الجنوبية، التي تقول إسرائيل إنها تستهدف بنى تحتية تابعة لحزب الله.
لكن التقرير ينقل تقييمًا مختلفًا بشأن الغاية الفعلية من هذه العمليات، معتبرًا أنها تؤدي أيضًا إلى منع السكان من العودة إلى مناطقهم لفترة طويلة.
وهذه النقطة تبقى موضع خلاف بين الرواية الإسرائيلية التي تربط العمليات بتدمير البنية العسكرية لحزب الله، وبين الانتقادات اللبنانية والدولية التي ترى في استمرار تدمير المناطق السكنية عاملًا إضافيًا في ترسيخ واقع النزوح.
حزب الله يستفيد من دروس حروب المسيرات
ويشير التقرير الإسرائيلي إلى أن تطوير هذا الأسلوب لم يأتِ من فراغ، بل استفاد حزب الله من الدروس التي أظهرتها الحروب الحديثة، خصوصًا الحرب الروسية الأوكرانية، التي شهدت انتشارًا واسعًا للمسيرات الصغيرة والرخيصة والموجهة بدقة.
وتحولت طائرات FPV، وهي مسيرات صغيرة يمكن توجيهها مباشرة نحو الهدف، إلى إحدى أبرز أدوات القتال في الحرب الأوكرانية، بسبب انخفاض تكلفتها وقدرتها على استهداف الأفراد والمركبات.
وفي جنوب لبنان، يبدو أن حزب الله يحاول تكييف هذه الفكرة مع طبيعة الجبهة، باستخدام مسيرات صغيرة منخفضة الارتفاع وبعضها مرتبط بالألياف البصرية.
وهنا تظهر مشكلة جديدة أمام الجيش الإسرائيلي: كيف يمكن مواجهة عدد كبير من المسيرات منخفضة التكلفة من دون استخدام وسائل دفاعية باهظة الثمن ضد كل هدف؟
مخاوف من هجمات بأسراب المسيرات
الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي، وفق التقرير، ليس المسيرة المنفردة، وإنما احتمال الانتقال إلى استخدام مجموعات أو أسراب من المسيرات في وقت واحد.
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المسيرات قد تصبح أكثر قدرة على الاستطلاع وتحديد الأهداف وتنفيذ الهجمات بدرجة أكبر من الاستقلالية.
وفي حال تطور هذا السيناريو، ستواجه القوات البرية تحديًا مختلفًا عن الهجمات الفردية؛ إذ قد يصبح اعتراض جميع المسيرات في وقت واحد أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تحلق على ارتفاع منخفض وتستخدم مسارات مختلفة.
تفوق جوي لم يعد كافيًا وحده
ويخلص التقرير إلى أن التطور الأهم على الجبهة اللبنانية يتمثل في تراجع فعالية التفوق الجوي الإسرائيلي في مواجهة نوع جديد من التهديدات.
فالتفوق الجوي لا يعني بالضرورة القدرة على منع جميع الهجمات من الجو، خصوصًا عندما تستخدم الخصوم وسائل صغيرة ومنخفضة الارتفاع ورخيصة نسبيًا، ويمكن إطلاقها بأعداد كبيرة.
وهنا يكمن التحدي بالنسبة إلى إسرائيل: تطوير منظومة دفاعية تستطيع اكتشاف المسيرات الصغيرة واعتراضها بسرعة، وفي الوقت نفسه تكون قادرة على التعامل مع هجمات متزامنة ومتعددة.
وقد بدأت إسرائيل بالفعل البحث عن حلول جديدة لهذه المشكلة، في وقت أشارت فيه تقارير إلى انتقادات داخل المؤسسة العسكرية بشأن عدم توفر وسائل مكافحة المسيرات بالكميات المطلوبة.
جبهة الجنوب أمام مرحلة مختلفة
وتكشف التطورات الأخيرة أن الحرب في جنوب لبنان لا تعتمد فقط على الصواريخ والقذائف والأسلحة التقليدية.
فالمسيرات الصغيرة أصبحت عنصرًا متزايد الأهمية في المعركة، وقدرتها على الاستطلاع والهجوم والتحليق المنخفض تجعلها تحديًا مباشرًا للقوات البرية.
وبالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي، لا تبدو المشكلة في إيجاد وسيلة واحدة لإسقاط هذه الطائرات، وإنما في بناء منظومة متكاملة تستطيع التعامل مع مسيرات منخفضة التكلفة، وصعبة التشويش، وقابلة للاستخدام بأعداد كبيرة.
أما على الأرض، فإن استمرار العمليات الإسرائيلية وتزايد التحصينات وتضرر الآليات يشير إلى أن الجبهة الجنوبية دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا.






