يتصاعد الجدل في الوسط الاقتصادي السوداني حول إمكانية حذف ثلاثة أصفار من العملة الوطنية (الجنيه)، وذلك عقب فقدانها أكثر من 80% من قوتها الشرائية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. وفي حين يرى مؤيدو الخطوة أنها تدبير ضروري لتسهيل المعاملات المالية اليومية والحد من الآثار النفسية لانهيار العملة، يحذر خبراء ووزراء سابقون من اتخاذ قرارات جزئية وشكلية دون تنفيذ إصلاحات هيكلية تعالج الجذور الحقيقية للتضخم وتدهور الإنتاج.
انهيار الجنيه وسحب 6 فئات نقدية من التداول
تأتي مطالب حذف الأصفار في ظل معطيات ميدانية واقتصادية معقدة فرضتها ظروف النزاع المسلح:
تراجع حاد في سعر الصرف: قفز متوسط سعر صرف الدولار الأميركي في السوق الموازية إلى نحو 5,500 جنيه سوداني، مقارنة بأقل من 600 جنيه قبل اندلاع الحرب.
إجراءات البنك المركزي: أعلن بنك السودان المركزي أوائل يوليو 2026 سحب 6 فئات نقدية من التداول (من الجنيه الواحد وحتى فئة 50 جنيهاً)، مع إمهال المواطنين حتى نهاية الشهر لاستبدالها عبر البنوك التجاريّة.
تأقلم السوق والتطبيقات الرقمية: عملياً، بدأ التجار والمتعاملون بحذف ثلاثة أصفار في التداول الشفهي (تسمية المليون بـ “ألف”)، مع الاعتماد المكثف على التطبيقات المصرفية لتنفيذ 60% إلى 70% من التعاملات اليومية للهروب من أزمة السيولة الورقية.

انقسام الخبراء: أثر نفسي مُهدئ أم “غش للمواطن”؟
تباينت الرؤى حول الجدوى الاقتصادية لإعادة هيكلة الفئات النقدية:
دعم الأثر النفسي: يرى الباحث الاقتصادي محمد حسان أن حذف الأصفار يسهل العمليات المصرفية ويقلص الشعور النفسي بانهيار العملة، مستشهداً بتجارب دول مثل تركيا والبرازيل وألمانيا، مشدداً على ضرورة أن يرافق ذلك إصلاح في الميزانية والإنتاج.
رفض “الحلول الشكليّة”: في المقابل، اعتبر وزير المالية الأسبق علي محمود أن حذف الأصفار يعد نوعاً من “الغش للمواطن” والهروب من المواجهة العلمية، مؤكداً أن الحل يكمن في تصميم برنامج اقتصادي محدد الأجل يوازن الميزانية ويراعي ظروف الحرب.
مواجهة التزوير وإعادة الفئات الصغرى: أكد الخبير الاقتصادي محمد الناير ضرورة حذف 3 أصفار لإعادة تداول الفئات الصغيرة كالجنيه، مشيراً إلى أن الخطوة ستحمي الاقتصاد من مخاطر تسرب العملات المزورة المطبوعة في مناطق النزاع إلى الولايات الآمنة.
الكلفة المالية والمدى الزمني للتنفيذ
تستلزم عملية استبدال العملة بالكامل تدابير إدارية ومالية معقدة:
التكلفة المالية: كشفت مصادر بالبنك المركزي أن طباعة عملة جديدة بحذف الأصفار تتطلب توفير تكلفة مالية تتراوح بين 400 إلى 500 مليون دولار.
المدى الزمني: تتطلب العملية دراسة فنية دقيقة وتنسيقاً يستغرق نحو عام كامل لاستكمال طباعة وطرح العملة الجديدة.
القرار السياسي: شددت المصادر على أن اتخاذ هذا القرار يتعدى الجانب الفني للبنك المركزي، إذ يتطلب قراراً سياسياً شاملاً وإجراءات تنظيمية عالية السرية قبل التنفيذ.






