تشهد مدينة غزة مرحلة جديدة من التصعيد العسكري مع إعلان الجيش الإسرائيلي صباح السبت عن بدء ما وصفه بـ”عملية حسم حماس” في المدينة، بالتزامن مع دعوة سكانها إلى النزوح نحو منطقة “إنسانية” في منطقة المواصي جنوب القطاع. هذا الإعلان جاء تحت وطأة قصف متواصل، يُنذر بهجوم بري شامل على أكبر مدينة في القطاع، مما دفع بعشرات الآلاف من السكان إلى موجة نزوح جديدة وسط ظروف إنسانية شديدة القسوة.
توسيع العمليات في قلب المدينة
الخطوة الإسرائيلية بالإعلان عن منطقة المواصي كـ”منطقة إنسانية” ترافقها وعود بتوفير بنى تحتية حيوية، مثل خطوط المياه، ومرافق التحلية، والمستشفيات الميدانية، وتسهيلات لإدخال الغذاء والدواء. إلا أن هذا الطرح لا يبدو أنه يلقى ثقة كبيرة لدى السكان، نظراً لتجارب سابقة شهدت قصفاً إسرائيلياً على مناطق سبق إعلانها “آمنة”، ووجود عدد كبير من المدنيين فيها. الأمم المتحدة، من جهتها، حذرت من “كارثة” إنسانية وشيكة في حال تنفيذ الهجوم الواسع، خصوصاً أن التقديرات تشير إلى وجود ما يزيد على مليون نسمة في مدينة غزة ومحيطها.
هذا التحرك العسكري يأتي في سياق محاولة إسرائيل الضغط على حركة “حماس” عبر توسيع العمليات في قلب المدينة، بالتوازي مع تعثر المساعي السياسية لإتمام اتفاق هدنة. ورغم أن “حماس” وافقت، وفق تقارير، على مقترح هدنة في أغسطس تضمن إطلاق سراح رهائن، فإن إسرائيل لا تزال تصر على شروط إضافية، تشمل تسليم السلاح، والإفراج غير المشروط عن جميع المختطفين، وتنازل الحركة عن السيطرة الأمنية على القطاع. هذا التباعد في المواقف يعمّق الأزمة، ويزيد من احتمالات التصعيد الميداني.
تدمير أحياء كاملة
ميدانياً، أسفرت الغارات الإسرائيلية عن مقتل 13 مدنياً فلسطينياً على الأقل منذ فجر السبت، بينهم ثلاثة أشخاص قتلوا أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات إنسانية، وخمسة آخرون، بينهم طفلة، جراء قصف منزل قرب سوق مخيم الشاطئ. وتستمر العمليات العسكرية بقوة، وسط هجمات جوية متكررة على مناطق مكتظة بالسكان، ما يؤدي إلى تدمير أحياء كاملة، ويفاقم معاناة المدنيين الذين يجدون أنفسهم أمام خيار مستحيل: البقاء في قلب المعركة أو الهروب نحو المجهول.
ورغم تصاعد الضغط العسكري، فإن النزوح الجماعي ليس خياراً متاحاً للجميع. تشير التقديرات إلى أن نحو 80 ألفاً فقط تمكنوا من مغادرة مدينة غزة نحو الجنوب، من أصل 1.2 مليون نسمة. وأغلب من نزحوا نصبوا خيامهم في أماكن غير مهيأة، قرب البحر، أو في مناطق سبق أن تم تصنيفها “خطرة” أو “حمراء” من قبل الجيش الإسرائيلي، مما يضعهم في دائرة الاستهداف المحتملة مجدداً.
المعضلة الإنسانية تتفاقم مع تأكيدات سكان مدينة غزة، الذين عبّروا في تصريحات لوكالات الأنباء عن شعورهم بعدم وجود مكان آمن في القطاع. هذه الشهادات تتكرر مع كل جولة تصعيد، وتسلط الضوء على فشل المجتمع الدولي في فرض منطقة آمنة حقيقية أو ممرات إنسانية فاعلة. وضمن هذه البيئة القاتمة، يعاني الفلسطينيون من انعدام الخدمات الأساسية، ونقص حاد في الغذاء والدواء، في وقت تتعهد فيه إسرائيل بإدخال مساعدات “بتنسيق مع المجتمع الدولي”، لكن ذلك لم يمنع وقوع ضحايا في أماكن توزيع الإغاثة نفسها.
توسيع السيطرة الجغرافية
الشق الأمني في هذه العملية لا ينفصل عن الحسابات السياسية، خصوصاً في ظل التوتر الداخلي الإسرائيلي المرتبط بمصير الرهائن، وتزايد ضغوط ذويهم الذين يطالبون الحكومة باتخاذ قرارات مدروسة لا تعرض أبناءهم للخطر. وأمام المعلومات التي تفيد بإمكانية وجود أسرى إسرائيليين في مدينة غزة أو نقلهم إليها من مناطق أخرى، يبدو أن “حماس” تسعى لاستخدامهم كورقة ضغط حاسمة في أي مفاوضات قادمة، بينما يؤكد الجيش الإسرائيلي عدم امتلاكه معلومات دقيقة عن مواقعهم، ما يعقد المشهد ويضع القيادة العسكرية في مأزق حقيقي.
تمثل العملية الإسرائيلية في غزة لحظة حرجة في الصراع، إذ تجمع بين البعد العسكري الواسع والرهانات السياسية المعقدة، وتتم في ظل ظروف إنسانية يُجمع كثيرون على وصفها بأنها غير محتملة. وبينما تسعى إسرائيل لتوسيع سيطرتها الجغرافية في القطاع، وتحديداً داخل مدينة غزة، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، في مشهد تتقلص فيه الخيارات، وتتراجع فيه فرص النجاة، وتتعاظم فيه المآسي يوماً بعد آخر.






