في خضم الدمار الشامل الذي حل بقطاع غزة منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي قبل أكثر من 22 شهراً، لا تزال حركة “حماس” تصرّ على التمسك بخيار المواجهة المسلحة كخيار وحيد، في تجاهل صارخ لواقع إنساني بالغ القسوة، وللثمن الباهظ الذي دفعه المدنيون من دمائهم ومنازلهم وأمنهم ومستقبلهم. بيان الحركة الأخير الذي يرفض نزع السلاح ويصفه بأنه “استحقاق وطني وقانوني ما دام الاحتلال قائمًا” يعكس تمسكاً بخطاب شعاراتي لا يوازي حجم الكارثة ولا يراعي أبسط متطلبات المصلحة الوطنية الفلسطينية، أو حتى النجاعة السياسية.
معادلات تفاوضية غامضة
إن المقاربة التي تتبعها “حماس” منذ بداية الحرب تضع السلاح فوق الإنسان، وتتعامل مع دماء الأبرياء وأشلاء الأطفال في غزة كأوراق مساومة أو أدوات ضغط في معادلات تفاوضية غامضة، غالبًا ما تُبنى على أوهام “الانتصار الرمزي” لا على مكاسب حقيقية تُحسن من واقع الفلسطينيين. هذه المقاربة أثبتت – مرارًا – أنها تقود إلى دوائر مفرغة من التصعيد والدمار، حيث تنتهي كل جولة “بطولية” إلى مأساة أكبر وتراكم في الخراب الإنساني والبنية التحتية، دون أي اختراق سياسي ملموس لصالح القضية.
من ناحية واقعية، فإن استمرار خيار المواجهة المسلحة – في ظل انعدام توازن القوة ومحدودية الدعم العربي والدولي – لا يُعدّ مقاومة بقدر ما هو انتحار جماعي مدفوع بحسابات فصائلية ضيقة، تُغلّب منطق البقاء السياسي والتنظيمي على منطق النجاة الوطنية والمصلحة الجمعية. فالحديث المتكرر عن “المقاومة” دون وضع استراتيجية وطنية شاملة، أو حتى تقديم رؤية بديلة قابلة للحياة، لا يخدم سوى ترسيخ الانقسام وإطالة عمر الصراع دون أفق واضح.
حماس نقطة إعاقة واضحة
والأخطر أن خطاب “حماس” لم يعد يعبر عن الكتلة الأوسع من الفلسطينيين الذين يتوقون للحياة الكريمة، والذين يدفعون يوميًا كلفة المواجهة دون أن يكون لهم رأي أو صوت في اتخاذ القرار. في وقت تُطرح فيه مبادرات دولية متعددة لإعادة إعمار غزة وبناء مسار سياسي جديد، يأتي موقف “حماس” كنقطة إعاقة واضحة، لا تفتح الباب لأي نقاش حقيقي بشأن أولويات المجتمع الفلسطيني، بل تسعى لتحويل النقاش كله إلى معركة هوية بين “المقاومة” و”الاستسلام”، وهي معادلة تبسيطية لا تخدم سوى الجمود والتكلّس.
الإصرار على التسلح ورفض أي مقاربة سياسية واقعية قد يكون مكسبًا آنياً لبعض القيادات في “حماس”، لكنه خسارة استراتيجية للقضية الفلسطينية بأكملها. ما تحتاجه غزة اليوم ليس استمرار القتال، بل صوت عقلاني شجاع يعترف بحجم الدمار، ويعيد صياغة مشروع وطني جامع يقوم على الشراكة، والمحاسبة، والانفتاح على العالم لا الانغلاق في نفق البندقية.






