تكمن المفارقة الكبرى في أن “الكيتو” يتعامل مع الرجال والنساء بمنطق مختلف تماماً؛ فالرجال فعلياً هم “الأكثر حظاً” في الميزان، حيث تشير البيانات إلى أنهم يفقدون نحو 11.63% من وزنهم مقارنة بـ 8.95% لدى النساء خلال فترة قصيرة. هذا التفوق يعود إلى طبيعة تخزين الدهون الحشوية في منطقة البطن لدى الرجال، وهي دهون “مطيعة” تستجيب بسرعة للحرق بمجرد غياب الكربوهيدرات. لكن هذا الانتصار السريع على الدهون يخفي وراءه معركة خاسرة على المستوى الخلوي؛ فالرجال يفتقرون لدرع الحماية الهرموني الذي تمتلكه النساء، وهو “الإستروجين”.
وبحسب الدراسة التي نشرتها مجلة “سيل ربورتس”، فإن غياب الإستروجين لدى الذكور يجعل خلاياهم عرضة للتلف والشيخوخة المبكرة عند اتباع هذا النظام عالي الدهون. فبينما تحمي الهرمونات الأنثوية خلايا النساء من التدهور الناتج عن التمثيل الغذائي للدهون، يجد الرجل نفسه في مواجهة مباشرة مع “الإجهاد التأكسدي” الذي يهاجم الأنسجة. هذا يعني أن تلك العضلات المفتولة والوزن المثالي قد يأتيان على حساب حيوية الخلايا داخلياً، مما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول ضرورة “تخصيص” التوصيات الغذائية بناءً على الجنس وليس فقط على الأهداف البدنية.

ولا تتوقف مخاطر الكيتو عند شيخوخة الخلايا فحسب، بل تمتد لتشمل “ضريبة” يدفعها الجسم على المدى الطويل والقصير. ففي البداية، يمر الكثيرون بما يُعرف بـ “إنفلونزا الكيتو” من صداع وتعب ودوار، نتيجة التحول العنيف لمصدر الطاقة من السكر إلى الدهون. ومع مرور الوقت، قد يؤدي إهمال الألياف الموجودة في الفواكه والحبوب الكاملة إلى مشاكل مزمنة في الجهاز الهضمي كالإمساك، وصولاً إلى مخاطر أكثر جدية مثل تكون حصوات الكلى ونقص الفيتامينات الأساسية (مثل A و K و E). إن الاعتماد الكلي على الدهون يحول الكبد إلى “مصنع كيتونات” يعمل بطاقته القصوى، وهو مجهود قد ينتهي بأمراض الكبد إذا لم يتم تحت إشراف طبي دقيق.
إن الدرس الأهم من معطيات عام 2026 هو أن “مقاساً واحداً لا يناسب الجميع” في عالم التغذية. فالكيتو الذي قد يكون معجزة علاجية لمرضى الصرع أو السكري من النوع الثاني، قد يتحول إلى “عدو صامت” لخلايا الرجل إذا لم يُوازن بذكاء. الحكمة اليوم تقتضي ألا ننخدع بالأرقام السريعة على الميزان، بل أن ننظر إلى ما يحدث داخل تلك الخلايا التي قد تشيخ قبل أوانها بحثاً عن رشاقة زائفة. ففي نهاية المطاف، ما الفائدة من جسد رشيق إذا كانت محركاته الداخلية تعاني من إجهاد تأكسدي يختصر عمرها الافتراضي؟






