تشهد الساحة اللبنانية تطوراً لافتاً في مسار التهدئة بين لبنان وإسرائيل، مع الكشف عن مباحثات تجري بين الجانبين حول مشروع تجريبي مدعوم من الولايات المتحدة يقضي بنقل السيطرة على أجزاء من الأراضي الجنوبية التي تنتشر فيها القوات الإسرائيلية إلى الجيش اللبناني، في خطوة قد تمثل بداية لمرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية على الحدود.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتزايد فيه الجهود الدولية لتثبيت الاستقرار في المنطقة ومنع عودة المواجهات العسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال الأشهر الماضية، والتي خلّفت دماراً واسعاً في القرى والبلدات الحدودية وأثرت بشكل مباشر على حياة آلاف المدنيين.
تدريب أميركي وفحص أمني للقوات المشاركة
وبحسب ما أفاد به ثلاثة مسؤولين إسرائيليين، فإن الخطة المقترحة تتضمن إشرافاً أميركياً مباشراً على الوحدات العسكرية اللبنانية التي ستتولى الانتشار في المناطق التي قد تنسحب منها القوات الإسرائيلية.
وتشير المعلومات إلى أن هذه القوات ستخضع لبرامج تدريب خاصة وآليات تدقيق أمني دقيقة بإشراف أميركي، بهدف التأكد من عدم وجود أي ارتباطات أو علاقات مع «حزب الله»، وهو الشرط الذي تعتبره إسرائيل أساسياً للمضي قدماً في تنفيذ المشروع.
ويعكس هذا البند حجم الحساسية الأمنية التي تحيط بالملف الحدودي، حيث تسعى واشنطن إلى تقديم ضمانات متبادلة للطرفين تسمح بتطبيق ترتيبات ميدانية جديدة دون التسبب في توترات إضافية.
إسرائيل تتمسك بالمنطقة العازلة
ورغم الحديث عن تسليم أجزاء من الأراضي إلى الجيش اللبناني، فإن المصادر الإسرائيلية أكدت أن تل أبيب لا تنوي التخلي بالكامل عن وجودها العسكري في المنطقة الحدودية، إذ ستواصل الاحتفاظ بقوات داخل المنطقة العازلة التي تعتبرها ضرورية لحماية أمنها ومنع أي تهديدات محتملة.
ويشير ذلك إلى أن المشروع المطروح لا يمثل انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من المناطق الحدودية، بل يندرج ضمن ترتيبات أمنية تدريجية قد تتطور لاحقاً وفقاً لمدى نجاح التجربة وقدرة الأطراف المعنية على الحفاظ على الاستقرار.
ويأتي هذا التطور بعد انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات الأميركية الإيرانية التي استضافتها سويسرا، والتي جرت في إطار مذكرة تفاهم أوسع تهدف إلى وضع حد نهائي للصراعات المفتوحة في الشرق الأوسط، وعلى رأسها المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان.
وتُعد هذه المباحثات من أبرز التحركات الدبلوماسية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة، إذ تسعى الأطراف الدولية إلى استثمار أجواء التهدئة الحالية لإرساء تفاهمات طويلة الأمد تمنع تجدد النزاعات العسكرية.
ويرى مراقبون أن الملف اللبناني أصبح أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة التفاهمات الإقليمية، نظراً لحساسية موقعه وتأثيره المباشر على أمن المنطقة بأكملها.
«خلية فض النزاعات» لمنع أي تصعيد جديد
ومن أبرز نتائج المفاوضات الأميركية الإيرانية الاتفاق على إنشاء «خلية لفض النزاعات» خاصة بالوضع اللبناني، تتولى متابعة أي تطورات ميدانية قد تهدد وقف التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله».
وتهدف هذه الآلية إلى توفير قناة اتصال سريعة لمعالجة الأزمات الطارئة ومنع تحول الحوادث الحدودية المحدودة إلى مواجهات واسعة النطاق، وهو ما يعكس إدراكاً دولياً متزايداً لخطورة أي انفجار جديد على الجبهة اللبنانية.
كما يُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة لإقامة إطار دائم لإدارة الأزمات الأمنية في لبنان، بما يضمن استمرار الاستقرار ويمنح المؤسسات الرسمية اللبنانية دوراً أكبر في ضبط الأوضاع على الحدود الجنوبية.
اختبار حقيقي لنجاح التفاهمات الإقليمية
ويرى محللون أن المشروع الأميركي الخاص بتسليم أجزاء من الأراضي الجنوبية إلى الجيش اللبناني يمثل اختباراً عملياً لمدى جدية التفاهمات الإقليمية والدولية التي أُطلقت خلال الأشهر الأخيرة.
جدير بالذكر أن نجاح الخطة قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية أوسع تعزز دور الدولة اللبنانية في الجنوب وتحد من احتمالات المواجهة العسكرية، بينما قد يؤدي تعثرها إلى إعادة المنطقة إلى دائرة التوتر وعدم الاستقرار.
وفي ظل استمرار الجهود الدبلوماسية المكثفة، يبقى الجنوب اللبناني ساحة رئيسية لقياس قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات ميدانية ملموسة، تمهد لمرحلة جديدة من الهدوء على واحدة من أكثر جبهات الشرق الأوسط حساسية وتعقيداً.






