اعتبر الكاتب بوريس بونداريف وهو دبلوماسي روسي أن خطة السلام التي اقترحتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحرب في أوكرانيا أثارت، كما كان متوقعًا، موجة واسعة من ردود الفعل في الأوساط السياسية والإعلامية، مشيرًا إلى أنها تحمل «ميلًا واضحًا لصالح روسيا»، وإن كان من غير الدقيق –على حد قوله– اعتبارها تلبيةً كاملة لمطالب موسكو المتطرفة.
وقال الكاتب إن مشروع القرار، المؤلف من 28 نقطة، يفرض على كييف سلسلة من القيود الصارمة، ويحمّلها أعباءً ثقيلة، «فيُعاقِب الضحية فعليًا على مقاومتها للمعتدي». وأوضح أن الخطة، رغم تأكيدها ضرورة الحفاظ على سيادة أوكرانيا، تُقوّض هذه السيادة عبر بنود تحدّ من حجم الجيش، وتمنع كييف من الانضمام إلى الناتو، بل وتُلزم الحلف نفسه برفض عضويتها، وهو ما يصفه بأنه «تناقض قانوني وسابقة تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة».
وأضاف بونداريف أن الخطة تتضمّن أيضًا عناصر لا يمكن لروسيا الترحيب بها، وعلى رأسها تخصيص ما لا يقل عن 100 مليار دولار من الأصول الروسية المجمّدة لإعادة إعمار أوكرانيا تحت إشراف أمريكي. ويرى أن هذه الفكرة بحد ذاتها كفيلة بإثارة غضب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لأنها تجعل موسكو «تموّل إعادة بناء دولة دمّرتها بيدها».
وأشار الكاتب إلى أن السماح لأوكرانيا بالاحتفاظ بجيش قوامه 600 ألف جندي قد يُعتبر ضمانة أمنية، لكنه لفت إلى أن فعالية هذه القوة ستظل مرهونة بنوعية الأسلحة المسموح بها وآليات الرقابة، مؤكدًا أن هذه النقاط ستفتح الباب أمام مطالبة موسكو بتفاصيل إضافية.
وتابع أن العنصر «الأكثر حساسية» في الخطة هو إنشاء ما يُسمى «مجلس السلام» برئاسة ترامب للإشراف على تنفيذ الاتفاق، معتبرًا أن هذا البند وحده كفيل بنسف أي قبول روسي، لأنه يضع الرئيس الأمريكي في موقع المراقب المباشر لسلوك بوتين. وذكّر بأن الأخير يخوض حربه لتحقيق موقع مماثل للقوى العظمى، «لا ليُوضع تحت وصاية شخصية غير متوقعة مثل ترامب».
وأوضح بونداريف أن الخطة تتضمن كذلك ضمانات أمنية لأوكرانيا تشبه التزامات الناتو، إذ تعتبر أي هجوم روسي عليها اعتداءً على «المجتمع عبر الأطلسي». لكنه رأى أن هذه الضمانات «فارغة»، لأن الغرب لطالما أظهر خوفًا واضحًا من مواجهة روسيا مباشرة، متسائلاً: «لماذا يتوقع الأوكرانيون أن يخوض الغرب حربًا مفتوحة فجأة؟».
وأشار الكاتب إلى أن بوتين يرفض أي وجود عسكري أو سياسي أمريكي أو أطلسي في أوكرانيا بعد الحرب، معتبرًا أن الهدف الروسي الأساسي هو إبقاء كييف خاضعة استراتيجيًا، ومنعها من امتلاك أدوات ردع مستقبلية. لذلك، يتوقع بونداريف أن تطالب موسكو بإسقاط جميع الضمانات الغربية، أو منحها حق النقض على تنفيذها، كما حاولت خلال محادثات إسطنبول عام 2022.
وقال بونداريف إن واشنطن، من وجهة نظر بوتين، تبدو في هذه الخطة وكأنها أعلنت «استسلامًا مبكرًا»، ليس بسبب خسائر عسكرية، بل نتيجة الإرهاق والرغبة في تجنب التورط. وأضاف أن ترامب «لا يدرك» أنه يضع الولايات المتحدة في موقع العاجز عن حماية مصالحه أو الحفاظ على وعوده لحلفائه.
ويرى الكاتب أن ما يهم بوتين ليس اتفاقًا مع أوكرانيا، بل اتفاق مباشر مع الولايات المتحدة يعترف فعليًا بشروط موسكو. لذلك سيصبح بند «الحوار بين روسيا والناتو» محور المفاوضات من وجهة نظر الكرملين، حيث يُتوقع أن يعيد بوتين طرح إنذار عام 2021 بشأن انسحاب الناتو إلى حدود 1997.
وختم بونداريف بالقول إن خطة ترامب «وُلدت ميتة»، لأن أوكرانيا سترفضها بصيغتها الحالية، وستسعى لتعديلها بدعم أوروبي، بينما سترفضها روسيا لأنها «غير كافية» ولا تجسّد رؤيتها للنصر الكامل. فموسكو، كما يؤكد، لا تبحث عن تسوية بوساطة، «بل عن استسلام غير مشروط، وبالتأكيد ليس تحت إشراف ترامب».






