أعلنت السلطات السورية اعتقال أفراد الخلية التي تقول إنها تقف وراء التفجيرين اللذين هزا العاصمة دمشق قبل يومين، مؤكدة أن التحقيقات الأولية تشير إلى ارتباطها بتنظيم داعش. ويأتي الإعلان في توقيت حساس، إذ وقع الهجومان بالتزامن مع الزيارة التي أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، في أول زيارة لرئيس دولة غربية منذ التغيير السياسي الذي شهدته سوريا.
ولا يقتصر أهمية الإعلان على كشف منفذي الهجوم، بل يمتد إلى الرسائل الأمنية والسياسية التي يحملها، سواء على المستوى الداخلي أو في علاقة دمشق بشركائها الدوليين.
السلطات: الخلية أصبحت في قبضة الأمن
وقال وزير الداخلية السوري أنس خطاب إن الأجهزة الأمنية تمكنت من اعتقال جميع أفراد الخلية المسؤولة عن الهجومين، موضحًا أن التحقيقات لا تزال مستمرة قبل الإعلان عن هويات الموقوفين وتفاصيل أدوارهم.
من جانبه، أكد رئيس الأمن الداخلي في دمشق أن المعطيات الأولية تشير إلى أن الخلية تنتمي إلى تنظيم داعش، فيما أوضحت وزارة الداخلية أن عمليات الاعتقال نُفذت بشكل متزامن في عدة مواقع داخل العاصمة ومحيطها، في محاولة لمنع أي عناصر أخرى من الفرار أو تنفيذ هجمات إضافية.
توقيت الهجوم يثير تساؤلات
اكتسب التفجيران أهمية استثنائية بسبب توقيتهما، إذ وقعا بعد ساعات من مغادرة الرئيس الفرنسي الفندق الذي كان يقيم فيه خلال زيارته الرسمية إلى دمشق. وأسفر الانفجاران عن مقتل شخص وإصابة عشرات آخرين، بعدما استهدفت عبوتان ناسفتان محيط الفندق والمنطقة المجاورة له.
ورغم أن ماكرون لم يكن موجودًا في الموقع لحظة وقوع الانفجارين، فإن استهداف منطقة شهدت وجود رئيس دولة أجنبية منح الحادثة أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز حجم الخسائر البشرية.
اختبار مبكر للسلطة الجديدة
يمثل الهجوم أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه السلطات السورية الجديدة، التي تسعى منذ توليها الحكم إلى إقناع المجتمع الدولي بأنها قادرة على فرض الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات الحرب.
وفي هذا السياق، لا ينظر إلى تفكيك الخلية باعتباره نجاحًا أمنيًا فحسب، بل أيضًا اختبارًا لقدرة الأجهزة الأمنية على التعامل مع التهديدات المسلحة ومنع عودة الجماعات المتشددة إلى تنفيذ عمليات داخل المدن الكبرى.
هل يستعيد داعش نشاطه؟
ورغم تراجع نفوذ تنظيم داعش خلال السنوات الماضية وخسارته معظم المناطق التي كان يسيطر عليها، فإن التنظيم احتفظ بخلايا صغيرة منتشرة في مناطق متفرقة من سوريا والعراق، تعتمد على الهجمات الخاطفة والعبوات الناسفة بدل السيطرة على الأراضي.
ويرى مراقبون أن هذه الخلايا تراهن على استغلال أي مرحلة انتقال سياسي أو أمني لإثبات استمرار وجودها، حتى وإن كانت غير قادرة على استعادة نموذج “الدولة” الذي أعلنته قبل سنوات.
ولهذا، فإن إعلان دمشق ربط التفجيرين بداعش يعيد إلى الواجهة المخاوف من تحول التنظيم مجددًا إلى تهديد أمني يعتمد على العمليات النوعية داخل المدن بدل المواجهات العسكرية التقليدية.
الأمن شرط الانفتاح الدولي
تأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه سوريا فتح صفحة جديدة مع عدد من العواصم الغربية والإقليمية، مستفيدة من التحولات السياسية الأخيرة والانفتاح الدبلوماسي المتزايد.
لكن أي تصاعد في الهجمات الأمنية قد يعقد هذا المسار، إذ إن قدرة الدولة على حماية البعثات الدبلوماسية والزوار الأجانب ستظل أحد المعايير الأساسية التي سيبني عليها المجتمع الدولي مواقفه من إعادة الانخراط مع دمشق.
ولهذا، فإن نتائج التحقيقات المرتقبة لن تكون مهمة فقط لتحديد المسؤولين عن التفجيرين، بل أيضًا لقياس مدى قدرة السلطات السورية على احتواء التهديدات الأمنية ومنع تحولها إلى عامل يعرقل مرحلة الانفتاح السياسي التي تسعى إليها البلاد.






