في ركام الخيام المحترقة على أطراف مدينة غزة، خرج صوت بكاءٍ ضعيف وسط صمتٍ ثقيل يلف المكان. لم يكن هناك من يرد على بكاء الرضيع حمزة الرباعي، فقد رحل كل من كان سيحتضنه أو يهدّئ خوفه. والداه استشهدا تحت القصف الإسرائيلي الذي استهدف خيمتهم البسيطة، ولم يبقَ سوى حمزة، الناجي الوحيد من عائلته، ليكون شاهداً حيّاً على المأساة التي تحاصر أطفال غزة.
قصص أشبه بالخيال
يحمل هذا الرضيع في ملامحه الصغيرة قصة جيلٍ كامل يُقتلع من جذوره. مثل حمزة، هناك آلاف الأطفال الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم وإخوتهم في حربٍ لا تفرّق بين منزل ومدرسة أو بين طفل ومقاتل. هؤلاء الصغار يكبرون فجأةً وسط الفراغ، بلا سند، بلا دفء العائلة، محاطين بالخوف والذكريات الممزقة.
في مخيمات النزوح، تنتشر قصص أشبه بالخيال لكنها واقع يومي. طفلة في السابعة من عمرها تمسك بيد أخيها الرضيع بعدما فقدت والديها تحت الركام، وتقول بصوت مرتجف: “سأكون أنا أمّه”، بينما بالكاد تستطيع أن تحمل حقيبة من المساعدات. وفي خيمة أخرى، يجلس طفل وحيد على الأرض، يرفض الطعام ويكرر سؤالاً واحداً: “متى ستعود أمي؟”، دون أن يجد أحد جواباً.
مأساة أطفال غزة
هذه الوجوه الصغيرة، التي من المفترض أن تشع بالحياة، أصبحت حاملةً لقصص فقدان تفوق قدرتها على الاحتمال. المنظمات الدولية تحذّر من أن غزة اليوم تنتج جيلاً من الأطفال بلا عائلة، بلا تعليم، بلا مستقبل واضح. لكن كل ذلك لا يُختصر في الأرقام أو الإحصاءات، بل في بكاء حمزة الذي لم يعد يجد من يحتضنه سوى أيدٍ غريبة تحاول أن تواسيه، فيما يفتقد حضن والدته وصوتها.
إن قصة الرضيع حمزة ليست مجرد حالة فردية، بل هي مرآة لمأساة ممتدة يعيشها أطفال غزة، حيث تتحول الطفولة إلى عبءٍ ثقيل، ويُترك الصغار ليواجهوا قسوة الفقد وحدهم. في كل خيمة، وعلى أنقاض كل بيت، هناك “حمزة” جديد، يحمل جرحاً أكبر من سنواته، ويكافح ليبقى على قيد الحياة في أرضٍ لم تترك له سوى اليُتم.






