رسائل المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة، رياض منصور، تحمل في جوهرها صرخة استغاثة سياسية وقانونية وإنسانية في مواجهة واحدة من أطول وأقسى الحروب التي يشهدها العالم المعاصر. مرور أكثر من سبعمائة يوم على حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة لم يكن مجرد مؤشر زمني على طول أمد النزاع، بل يعكس حالة غير مسبوقة من الإفلات من العقاب، حيث تستمر إسرائيل في القتل والدمار بلا مساءلة فعلية من المجتمع الدولي.
غياب الإرادة الدولية الرادعة
تحذيرات منصور تضع إصبعها على جرح عميق يتمثل في أن غياب الإرادة الدولية الرادعة جعل إسرائيل أكثر اندفاعاً في توسيع نطاق هجماتها، ليس فقط في غزة، بل أيضاً بتهديداتها المتكررة تجاه الضفة الغربية، بما يشير إلى أن المشروع الإسرائيلي يتجاوز فكرة الحرب الظرفية إلى محاولة فرض واقع استراتيجي جديد قائم على التهجير والتجويع والسيطرة الكاملة على الأرض. وهنا يبرز جوهر الالتماس الفلسطيني: أن ما يجري لم يعد مجرد “نزاع مسلح” بل هو سياسة ممنهجة تستهدف الوجود الفلسطيني ذاته.
الأرقام التي ساقها منصور أمام الأمم المتحدة تصعق الضمير الإنساني: أكثر من 20 ألف طفل استشهدوا خلال 23 شهراً، أي بمعدل طفل واحد على الأقل كل ساعة. هذا الرقم لا يختزل فقط المأساة الإنسانية بل يشكل دليلاً قانونياً دامغاً على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وإلى جانب القتلى، هناك 42 ألف طفل جرحى، و21 ألف أصبحوا معاقين بشكل دائم، وآلاف آخرون في عداد المفقودين. هذا التوصيف يجعل من معاناة الأطفال عنواناً صارخاً للإبادة الجماعية، في وقت يُضاف فيه الموت بسبب سوء التغذية وسياسة التجويع القسري إلى أدوات الحرب الإسرائيلية.
سيناريو الضم الكامل
منصور لم يكتف بسرد الأرقام، بل قدّم توصيفاً سياسياً واضحاً: استمرار هذه الجرائم يتم بفعل التواطؤ الضمني أو الصمت الدولي، وهو ما يضع الأمم المتحدة أمام اختبار لمصداقيتها وشرعية آلياتها. لذلك جاء التركيز على دعوة مجلس الأمن للتحرك تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، باعتباره الإطار القانوني الوحيد القادر على فرض وقف إطلاق النار وإلزام إسرائيل بإنهاء حصارها.
الجانب اللافت في رسائل منصور أنه ربط بين المشهد الميداني في غزة والضفة الغربية وبين المسار السياسي الأكبر، إذ حذر من أن الممارسات الإسرائيلية تقوّض بشكل متعمد حل الدولتين وتدفع باتجاه سيناريو الضم الكامل، وهو ما ينسف أي أفق للتسوية السلمية. ومن هنا تأتي الإشارة إلى ضرورة استئناف المؤتمر الدولي حول التسوية وتنفيذ حل الدولتين باعتباره فرصة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من شرعية العملية السياسية.
إبادة بلا محاسبة
الرسائل الفلسطينية حملت أيضاً بعداً عملياً حين طالبت بوقف نقل الأسلحة وفرض العقوبات على إسرائيل، مع إعادة تمكين الأونروا والمنظمات الإنسانية لتقوم بدورها الإغاثي. هذا التحول من مجرد المطالبة بإدانة إسرائيل إلى الدعوة لاتخاذ خطوات ملموسة يعكس إدراك القيادة الفلسطينية أن لغة البيانات لم تعد تكفي أمام مجزرة مفتوحة بهذا الحجم.
رسائل منصور تمثل محاولة لفتح نافذة أمل أخيرة أمام الشعب الفلسطيني عبر استنهاض مسؤوليات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. لكنها في الوقت نفسه تكشف هشاشة النظام الدولي في مواجهة قوة عسكرية تمضي في الإبادة بلا محاسبة. التحدي الأكبر لم يعد فقط في وقف الحرب، بل في كسر معادلة الإفلات من العقاب، وإلا فإن ما يجري في غزة قد يتحول إلى سابقة تُشرعن انتهاك القانون الدولي في صراعات أخرى حول العالم.






