الكشف عن رسائل متبادلة بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وحركة «حماس» يعيد خريطة المفاوضات غير المباشرة إلى الواجهة، ويؤشر إلى أن هناك حراكاً سياسياً لا يزال مستمراً خلف الكواليس رغم التصعيد الميداني المتواصل في غزة. فالمقترح الذي تضمنه تقرير موقع «أكسيوس» يقوم على معادلة واضحة: إطلاق سراح جميع المحتجزين الإسرائيليين مقابل إنهاء الحرب بضمانة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. هذه الصيغة، وإن بدت مختلفة عن المبادرات السابقة، تعكس محاولة أميركية جديدة لتقديم «صفقة شاملة» تضع حداً للصراع، بعد أن فشلت جولات التفاوض السابقة في التوصل إلى تسوية نهائية.
وقف شامل لإطلاق النار
من زاوية القراءة السياسية، يعكس المقترح الأميركي إدراكاً متزايداً بأن استمرار الحرب في غزة يضع الإدارة الأميركية في موقف صعب، داخلياً وخارجياً، خاصة مع تفاقم الانتقادات بشأن حجم الكارثة الإنسانية في القطاع، والضغوط من حلفاء إقليميين ودوليين يدفعون باتجاه وقف شامل لإطلاق النار. لذلك يطرح ويتكوف ضمانة رئاسية أميركية مباشرة، في محاولة لإقناع حماس بأن الاتفاق لن يكون مجرد تفاهم عابر يمكن لإسرائيل التنصل منه لاحقاً.
رد «حماس» على المقترح جاء ليؤكد أن الحركة لا تزال متمسكة بشروطها الأساسية، وعلى رأسها وقف إطلاق نار دائم وانسحاب إسرائيلي كامل من القطاع، وهو ما يعني أن أي اتفاق لن يكون مجرد صفقة لتبادل الأسرى، بل تسوية أوسع تحمل في طياتها إنهاءً للحرب وتغييراً في قواعد اللعبة. هذا الموقف يعكس ثقة الحركة بأنها لا تزال تمتلك أوراق ضغط مهمة، أهمها ملف الرهائن الإسرائيليين.
القضاء على حماس
على الجانب الإسرائيلي، يشكل هذا الطرح تحدياً حقيقياً؛ فقبول انسحاب كامل من غزة يعني اعترافاً ضمنياً بفشل الهدف المعلن منذ بداية الحرب والمتمثل في «القضاء على حماس». وفي المقابل، رفض العرض يعمّق المأزق السياسي والعسكري، خاصة في ظل تزايد الخسائر البشرية والانتقادات الدولية. ومن هنا، يمكن القول إن المقترح الأميركي يضع حكومة تل أبيب أمام معضلة كبرى: إما الاستمرار في حرب استنزاف مكلفة وغير مضمونة النتائج، أو الدخول في اتفاق يُنظر إليه داخلياً على أنه تنازل استراتيجي.
في سياق متصل، أضفى استهداف جماعة الحوثي لمطار رامون في النقب بعداً جديداً للأزمة، إذ يمثل الاختراق المباشر للبنية التحتية المدنية الإسرائيلية نقلة نوعية في مستوى تهديد الجماعة. فهذا التطور يؤكد أن الحرب في غزة لم تعد محصورة جغرافياً، بل باتت جزءاً من صراع إقليمي أوسع، حيث تعمل أطراف مختلفة – من الحوثيين في اليمن إلى فصائل المقاومة في لبنان والعراق – على الضغط على إسرائيل وحلفائها. وبذلك تصبح أي تسوية في غزة ذات انعكاسات إقليمية، وليس مجرد اتفاق ثنائي بين إسرائيل وحماس.
مكاسب سياسية
مجمل هذه التطورات يشير إلى أن المشهد يتجه نحو مفترق طرق. الولايات المتحدة تسعى لإنهاء حرب باتت عبئاً سياسياً وإنسانياً، بينما حماس ترى في اللحظة الراهنة فرصة لتحقيق مكاسب سياسية كبرى لم يكن ممكناً تصورها قبل عامين. إسرائيل من جهتها تبدو عالقة بين خطابها المتشدد وحاجتها الواقعية إلى مخرج. وفي ظل دخول لاعبين إقليميين جدد على خط المواجهة، تبدو أي تسوية مقبلة أبعد من كونها اتفاقاً إنسانياً لإطلاق الأسرى، بل مشروعاً لإعادة صياغة التوازنات في غزة والمنطقة برمتها.






