في خيمة صغيرة داخل مخيم النزوح في منطقة المواصي غرب خان يونس، تجلس الفنانة التشكيلية رغدة شيخ العيد، محاطة برائحة الرماد وهدير الرياح القادمة من البحر، تحمل في يديها فُرشاة صنعتها بوسائل بدائية، وتغمسها في مسحوق رمادي مستخرج من بقايا أوانٍ أحرقتها نار الحطب. لم تعد الألوان الزاهية التي كانت تملأ مرسمها موجودة، ولم يبقَ من لوحاتها القديمة سوى ذكريات تحترق في قلبها كما احترق منزلها ومرسمها تحت قصف الاحتلال.
رماد الطهي وسيلة للرسم
كانت رغدة، قبل العدوان، تملأ جدران مرسمها بألوان الحياة، ترسم الوجوه المبتسمة والمناظر التي تعكس جمال غزة، لكنها اليوم تجد نفسها ترسم وجوهاً هزيلة بفعل الجوع، وأطفالاً ينامون على الأرض بلا غطاء، وبيوتاً تحولت إلى أطلال. لم تكن هذه التحولات خياراً فنياً بقدر ما كانت ضرورة فرضها واقع الحصار والدمار، فكل ما كانت تملكه من أدوات فنية تلاشى تحت الركام، وكل ما تبقى لها هو رماد الطهي على نار الحطب، الذي صار وسيلتها الوحيدة لمواصلة الرسم.
لوحاتها الجديدة ليست مجرد أعمال فنية، بل شهادات بصرية على جرائم الاحتلال، توثيق حي للمعاناة التي يعيشها أهل غزة، تُجسّد الجوع، والفقر، والتشرد، والانكسار، لكنها في الوقت ذاته تحمل ملامح الصمود. تقول رغدة إن كل لوحة ترسمها هي صرخة موجهة إلى العالم، ورسالة بأن الجمال يمكن أن يولد حتى من قلب الرماد، وأن الفن قادر على البقاء حتى حين ينهار كل شيء.
بداية حكاية جديدة
رغدة لم تكتفِ بالبقاء في حدود خيمتها، بل جعلت من فنها جسرًا بين حكايات المخيم وأعين العالم، ترسل صور لوحاتها عبر الهاتف إلى الخارج، علّها تجد من يقرأ في خطوط الفحم والرماد وجع غزة وصبرها. وبينما يظن كثيرون أن الرماد نهاية كل شيء، تثبت رغدة أنه قد يكون بداية لحكاية جديدة، تُكتب باللون الرمادي لكنها تنبض بالحياة.






