خلال الأسابيع الأولى من المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تعرضت البنية البحرية الإيرانية لأكبر ضربة في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
فقد استهدفت الغارات الجوية والصاروخية القواعد البحرية الرئيسية ومراكز القيادة والرادارات والسفن الحربية الراسية في الموانئ، ما أدى إلى تدمير أو تعطيل جزء كبير من الأسطول الإيراني التقليدي في فترة زمنية قصيرة.
لكن رغم حجم الخسائر، لا يبدو أن طهران فقدت قدرتها على تهديد الملاحة في الخليج العربي أو إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.
ويرجع ذلك إلى طبيعة العقيدة البحرية الإيرانية التي لا تعتمد أساسا على السفن الكبيرة، بل على الحرب غير المتكافئة وأدوات الاستنزاف البحري.
بحريتان داخل دولة واحدة
تتميز إيران بامتلاكها قوتين بحريتين منفصلتين تعملان بالتوازي.
الأولى هي البحرية النظامية الإيرانية، المكلفة بتشغيل الفرقاطات والغواصات والسفن الكبيرة وتنفيذ المهام التقليدية في البحار المفتوحة.
أما الثانية فهي البحرية التابعة للحرس الثوري، التي تشكل رأس الحربة في استراتيجية إيران الدفاعية داخل الخليج العربي.
وعلى مدى العقود الماضية، استثمر الحرس الثوري بكثافة في الزوارق السريعة والصواريخ الساحلية والطائرات المسيّرة والألغام البحرية، معتمداً على تكتيكات تقوم على المرونة والانتشار الواسع بدلاً من المواجهة المباشرة مع الأساطيل الكبرى.
لماذا انهارت السفن الكبيرة بسرعة؟
أظهرت الحرب مجدداً هشاشة السفن الحربية التقليدية عندما تواجه تفوقاً جوياً كاملاً.
فمعظم الفرقاطات والكورفيتات الإيرانية تعرضت للتدمير وهي لا تزال داخل الموانئ أو خلال عمليات انتشار محدودة، في حين فشلت أنظمة الدفاع الجوي البحرية في توفير حماية فعالة ضد الهجمات الجوية الحديثة.
كما تعرضت قواعد الغواصات والسفن اللوجستية والسفن المخصصة لتشغيل الطائرات المسيّرة لضربات متلاحقة أدت إلى شل قدرة البحرية النظامية على تنفيذ عمليات بعيدة المدى.
ويرى خبراء عسكريون أن ما جرى يعكس فجوة هائلة بين القدرات البحرية الإيرانية التقليدية وبين القوة الجوية والتكنولوجية التي تمتلكها الولايات المتحدة.
الحرس الثوري.. الناجي الأكبر من المعركة
رغم الخسائر التي طالت قواعده وسفنه، يبدو أن الحرس الثوري خرج من المواجهة بأضرار أقل مقارنة بالبحرية النظامية.
ويعود ذلك إلى طبيعة انتشاره القائم على الوحدات الصغيرة والمتفرقة، المنتشرة في الجزر والمواقع الساحلية المحصنة على امتداد الخليج العربي.
كما أن العديد من منصات الصواريخ والزوارق السريعة لا تحتاج إلى موانئ كبيرة أو بنية تحتية معقدة، ما يجعل استهدافها بالكامل مهمة شديدة الصعوبة.
ولهذا السبب، فإن تدمير السفن الكبيرة لم يترجم تلقائياً إلى إنهاء القدرة الإيرانية على تهديد الملاحة البحرية.
معركة هرمز تُحسم من البر لا من البحر
على خلاف ما قد يوحي به حجم الخسائر البحرية، فإن قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز لا تعتمد أساساً على الفرقاطات أو الغواصات الكبيرة.
فالعنصر الحاسم في هذه المعادلة يتمثل في شبكة الصواريخ الساحلية والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والزوارق السريعة المنتشرة على طول السواحل والجزر المطلة على المضيق.
وتمنح الطبيعة الجغرافية المعقدة للمنطقة القوات الإيرانية قدرة على الاختباء والمناورة وإطلاق الهجمات من مواقع يصعب اكتشافها أو استهدافها مسبقاً.
ولهذا السبب ما زالت أي عملية لتأمين المضيق أو إزالة الألغام المحتملة تتطلب جهداً عسكرياً واسعاً وحماية جوية مستمرة.
نهاية عصر البحرية التقليدية؟
أحد أبرز الدروس التي أفرزتها الحرب يتمثل في التشكيك بجدوى الاستثمار في السفن الحربية التقليدية بالنسبة لدول تواجه خصوماً يمتلكون تفوقاً جوياً وتكنولوجياً ساحقاً.
فالسفن التي استغرقت سنوات لبنائها وتجهيزها دُمّرت خلال أيام، بينما بقيت الأنظمة الأصغر والأكثر مرونة قادرة على مواصلة العمل وإحداث تأثير ميداني.
وقد يدفع ذلك صناع القرار في طهران إلى تسريع التحول نحو نموذج يعتمد بصورة أكبر على الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة والصواريخ الساحلية، على حساب السفن الكبيرة مرتفعة الكلفة.
ماذا بعد؟
تكشف نتائج المواجهة أن الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في تحييد القسم الأكبر من القوة البحرية الإيرانية التقليدية، لكنها لم تنجحا بالقدر نفسه في إزالة أدوات الحرب غير المتكافئة التي طورتها طهران خلال العقود الماضية.
وبينما فقدت إيران جزءاً مهماً من أسطولها البحري، فإن قدرتها على تهديد حركة الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز لا تزال قائمة، وهو ما يعني أن التحدي الحقيقي لا يكمن في السفن التي غرقت، بل في الأنظمة الصغيرة والمتنقلة التي نجت من الضربات وما زالت قادرة على فرض كلفة مرتفعة على أي قوة تحاول العمل بالقرب من السواحل الإيرانية.






