كشفت تقارير إقليمية عن قرار جنوب السودان إنهاء الوجود العسكري المصري في منطقة باجاك القريبة من الحدود الإثيوبية. ورغم غياب إعلان رسمي من القاهرة أو جوبا يصف الخطوة بأنها تحول استراتيجي، فإن توقيتها وسياقها الإقليمي يمنحانها أبعاداً تتجاوز مجرد ترتيبات أمنية محلية.
فالقرار يأتي في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة رسم لشبكة التحالفات والمصالح، وسط تصاعد أهمية الملفات الاقتصادية والطاقة وقضايا المياه، وهي عوامل باتت تلعب دوراً متزايداً في تحديد خيارات الدول الأفريقية.
لماذا تكتسب باجاك هذه الأهمية؟
قد تبدو باجاك منطقة حدودية نائية، لكنها تقع في واحدة من أكثر المناطق حساسية في شرق أفريقيا.
فالمنطقة قريبة من الحدود الإثيوبية ومن المجال الجغرافي المرتبط بحوض النيل الأزرق، ما يجعلها نقطة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للدول المنخرطة في ملف مياه النيل، وعلى رأسها مصر وإثيوبيا.
وخلال السنوات الماضية، ارتبط الوجود المصري في جنوب السودان برؤية أوسع تهدف إلى تعزيز الحضور السياسي والأمني للقاهرة في دول حوض النيل، خاصة مع احتدام الخلافات حول سد النهضة الإثيوبي.
ومن هذا المنطلق، فإن إنهاء هذا الوجود يحمل دلالات سياسية تتجاوز حجمه العسكري الفعلي.
النفط قبل السياسة
لفهم التحول في موقف جوبا، لا بد من النظر إلى التحديات الاقتصادية التي تواجهها الدولة الأحدث في أفريقيا.
فمنذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، تعرضت صادرات النفط الجنوب سودانية لسلسلة من الاضطرابات بسبب اعتمادها شبه الكامل على البنية التحتية السودانية لنقل الخام إلى الأسواق العالمية.
وبالنسبة لجنوب السودان، الذي يعتمد اقتصاده بصورة كبيرة على عائدات النفط، تحولت أزمة التصدير إلى تهديد مباشر للاستقرار الاقتصادي والمالي.
في هذا السياق، بدأت جوبا البحث عن بدائل استراتيجية تقلل من اعتمادها على المسارات التقليدية، وهو ما فتح الباب أمام تقارب متزايد مع إثيوبيا التي تسعى بدورها إلى تعزيز دورها كمركز إقليمي للنقل والطاقة والتجارة.
إثيوبيا تعزز موقعها الإقليمي
لا يقتصر صعود إثيوبيا على ملف سد النهضة فقط، بل يمتد إلى رؤية أوسع تهدف إلى تحويل البلاد إلى قوة إقليمية مؤثرة في شرق أفريقيا.
فإلى جانب مشاريع الطاقة الكبرى، تعمل أديس أبابا على توسيع شبكات الربط الاقتصادي مع جيرانها، مستفيدة من موقعها الجغرافي وثقلها السكاني ونموها الاقتصادي خلال العقدين الماضيين.
ومن هذا المنظور، فإن التقارب مع جنوب السودان لا يمثل مجرد علاقة ثنائية، بل يندرج ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز النفوذ الإثيوبي في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل.
حوض النيل.. ساحة التنافس الكبرى
تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه ملف مياه النيل تحولات مهمة على مستوى التوازنات السياسية.
ففي حين تواصل مصر الدفاع عن الاتفاقيات التاريخية المنظمة لتقاسم المياه، ترى العديد من دول المنبع أن هذه الترتيبات لم تعد تعكس الواقع الحالي، وتطالب بإعادة النظر في آليات إدارة الموارد المائية للنهر.
وخلال السنوات الأخيرة، اقتربت مواقف دول مثل إثيوبيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا وبوروندي من بعضها البعض في هذا الملف، وهو ما أوجد كتلة إقليمية تسعى إلى تعزيز نفوذها في المفاوضات المتعلقة بمستقبل النيل.
ويبدو أن جنوب السودان بات يميل تدريجياً إلى التموضع داخل هذا الفضاء الإقليمي الجديد، مدفوعاً باعتبارات اقتصادية وتنموية أكثر من الاعتبارات السياسية التقليدية.
تحديات جديدة أمام القاهرة
بالنسبة لمصر، لا يعني التطور في باجاك بالضرورة خسارة نفوذها في جنوب السودان أو في شرق أفريقيا، لكنها تواجه بيئة إقليمية مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات.
فالدول الأفريقية أصبحت أكثر ميلاً إلى بناء شراكات تستند إلى المصالح الاقتصادية المباشرة ومشاريع التنمية والبنية التحتية، بدلاً من الاصطفافات السياسية التقليدية.
ومع تصاعد دور إثيوبيا في المنطقة، تجد القاهرة نفسها أمام حاجة متزايدة إلى تطوير أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، خصوصاً في ما يتعلق بأمن المياه وقضايا حوض النيل.
شرق أفريقيا يدخل مرحلة جديدة
تكشف قضية باجاك عن اتجاه أوسع يتجاوز العلاقات بين مصر وجنوب السودان أو حتى الخلاف حول سد النهضة.
فالمنطقة تشهد انتقالاً تدريجياً من مرحلة التحالفات الثابتة إلى مرحلة أكثر مرونة تقوم على المصالح الاقتصادية والمشاريع العابرة للحدود.
وفي ظل هذا التحول، تبدو الدول الأفريقية أقل ارتباطاً بالاستقطابات التقليدية وأكثر اهتماماً بتحقيق مكاسب مباشرة في مجالات الطاقة والتجارة والبنية التحتية.
ولهذا السبب، قد لا يكون قرار جوبا مجرد خطوة مرتبطة بقاعدة عسكرية أو ترتيب أمني محدود، بل مؤشراً على إعادة تشكيل موازين القوى في شرق أفريقيا، حيث تتغير الحسابات السياسية بقدر ما تتغير الخرائط الاقتصادية.






