يعيش لبنان واحدة من أكثر لحظاته حساسية، وسط حالة من الاشتباك السياسي والإقليمي، الذي ينعكس مباشرة على استقرار الدولة، التي تعاني منذ سنوات من عدم الاستقرار على المستويين الأمني والاقتصادي. ورغم المحاولات الشاقة لاستعادة لبنان لسيادته وقراره الوطني المستقل، تظهر عراقيل تحول دون ذلك أبرزها الصراع بين حزب الله وإسرائيل، أحد الأسباب الرئيسية في الأزمة اللبنانية
وفي هذا السياق المتوتر، برز موقف وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الرافض تلبية دعوة لزيارة طهران في الوقت الراهن، بما يحمل من دلالات واضحة تتجاوز مجرد الاعتذار البروتوكولي. الوزير اللبناني وجد نفسه في قلب اشتباك، بين النفوذ الإيراني المتجذر داخل لبنان، وبين مساعي حكومته لترسيخ عهد جديد من العلاقات المتوازنة، لذلك اختار أن يرفع سقف الرسالة الدبلوماسية مضمونها: “لبنان يريد علاقات، لكنه لا يقبل وصاية”.
تحول جذري في الخطاب اللبناني
وشدد وزير الخارجية اللبناني في رسالته على “قناعة ثابتة بأن بناء أي دولة قوية لا يمكن أن يتم إذا لم تحتكر الدولة وحدها بجيشها الوطني حق حمل السلاح، وتكون صاحبة القرار الحصري في قضايا الحرب والسلم”. فيما ختم قائلاً إن عراقجي سيظل دائماً مرحباً به لزيارة لبنان.
يعكس هذا الموقف، تحولاً لافتًا في الخطاب الرسمي اللبناني، الذي قد يبدو متأخرًا لكنه وضع حدود واضحة لأي تدخل خارجي، وخصوصًا التدخل الإيراني، الذي لطالما كان العامل الرئيسي، في التأثير على القرار اللبناني، من خلال دعم حزب الله عسكريًا وسياسيًا. وبالتالي فإن دعوة “رجي” إلى عقد لقاء في دولة ثالثة محايدة، واشتراطه أن تقوم العلاقات على “احترام السيادة وعدم التدخل”، ليست مجرد تذكير بمبادئ دبلوماسية، بل إعلان صريح بأن بيروت تريد إعادة صياغة قاعدة اللعبة.
عراقجي يرد: لا نتدخل في شؤون لبنان
وتأتي هذه الرسائل في ظل واقع سياسي وأمني معقد، حيث تُصرّ تصريحات المسؤولين الإيرانيين، مثل علي أكبر ولايتي، على ربط مصير لبنان ببقاء السلاح خارج سلطة الدولة، فيما تتعامل الحكومة اللبنانية مع مرحلة ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل كفرصة أخيرة لإعادة بسط هيبة الدولة عبر حصر السلاح بيد الجيش. وبينما تؤكد طهران أنها “لا تتدخل في الشأن اللبناني”، تكشف ردود رجي المتتالية أن بيروت لم تعد مستعدة لتجاهل هذا التدخل، ولا للصمت عن خطاب يضع سلاح حزب الله فوق الخبز والماء، مقابل سردية لبنانية جديدة تقول بوضوح: السيادة قبل كل شيء.
في المقابل، كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في منشور على منصة “إكس” في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أن “رجي” دعاه في مقابلة مع قناة لبنانية إلى إجراء التفاوض. إذ كتب حينها: “نحن لا نتدخل في الشؤون الداخلية للبنان، لكننا نرحب بأي حوار بهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية بين إيران ولبنان، ولا حاجة لبلد ثالث. أدعو زميلي يوسف لزيارة طهران، وأنا مستعد أيضاً لزيارة بيروت بكل سرور إذا تلقيت دعوة رسمية لذلك”.
حزب الله في قلب الصراع
وفي نوفمبر أيضاً انتقد “رجي”، تصريحات مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، مؤكداً أن سيادة لبنان وحرية قراره الداخلي “أهم من الخبز والماء”. وقال في منشور على “إكس”، موجهاً كلامه لعراقجي، إنه كان يرغب في تصديق أن إيران لا تتدخل في الشأن اللبناني، “إلى أن خرج مستشار مرشدها الأعلى محذراً اللبنانيين من عواقب نزع سلاح حزب الله”. حسب وكالات الأنباء.
وأضاف أن ما هو أهم بالنسبة إلى اللبنانيين هو “سيادتهم وحريتهم واستقلال قرارهم الداخلي بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية والسياقات الإقليمية العابرة للحدود التي دمرت لبنان ولا تزال تدفعه نحو الخراب”.
جاء ذلك بعد تصريحات لعلي أكبر ولايتي، قال فيها إن “وجود حزب الله اليوم لا غنى عنه بالنسبة للبنان”. وأردف أن “الاعتداءات والجرائم الإسرائيلية المتواصلة ضد لبنان تُظهر أن وجود حزب الله بات أهم من الخبز اليومي والماء”، حسب ما نقلت وكالة “تسنيم”.






