تدخل سوريا مرحلة سياسية جديدة تسعى من خلالها إلى طي صفحة أكثر من عقد من الصراع، عبر إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنعاش الاقتصاد، وتوسيع انفتاحها الدبلوماسي على المجتمع الدولي. ورغم استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية، فإن دمشق تحاول ترسيخ صورة دولة تتجه تدريجياً نحو الاستقرار واستعادة دورها الإقليمي.
وتأتي هذه التحركات في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، دفعت عدداً من الدول إلى إعادة النظر في علاقاتها مع سوريا، بالتوازي مع جهود الحكومة الجديدة لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية.
برلمان جديد… ورسائل نحو المصالحة الوطنية
يشكل افتتاح البرلمان السوري الجديد محطة بارزة في مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة، إذ يضم المجلس 210 أعضاء يمثلون شرائح اجتماعية ودينية وعرقية متنوعة، بما في ذلك النساء وممثلون عن مكونات المجتمع السوري المختلفة.
ويحمل هذا التنوع دلالات سياسية تتجاوز تشكيل السلطة التشريعية، إذ تسعى دمشق إلى تقديم البرلمان باعتباره انعكاساً لنهج يقوم على توسيع المشاركة السياسية وتعزيز المصالحة الوطنية بعد سنوات من الانقسام والصراع.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الخطوة سيقاس بقدرة المؤسسات الجديدة على معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط بتركيبتها السياسية.
انفتاح دبلوماسي يعيد سوريا إلى المشهد الدولي
شهدت الأشهر الأخيرة مؤشرات على تحسن العلاقات بين سوريا وعدد من الدول الغربية والإقليمية، في تطور يعكس تغيراً تدريجياً في المقاربة الدولية تجاه دمشق.
ومن أبرز هذه المؤشرات إعلان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدء إجراءات إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، إلى جانب الزيارة التي أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، والتي تعد الأولى لرئيس دولة من أوروبا الغربية منذ تشكيل الحكومة الانتقالية أواخر عام 2024.
ويشير هذا الانفتاح إلى وجود مصالح متبادلة، إذ ترى بعض الدول الغربية أن المشاركة في إعادة إعمار سوريا تمنحها فرصة لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في منطقة تتمتع بأهمية جيوسياسية كبيرة.
إعادة الإعمار… التحدي الأكبر
رغم التحسن النسبي في المشهد السياسي، تبقى إعادة بناء الاقتصاد السوري المهمة الأكثر تعقيداً أمام الحكومة.
وتضع السلطات السورية ملف التعافي الاقتصادي في مقدمة أولوياتها، بينما يقدر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار البلاد بأكثر من 216 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الدمار الذي خلفته سنوات الحرب.
ولا تزال المؤشرات الإنسانية مقلقة، إذ يحتاج نحو 13 مليون شخص إلى مساعدات غذائية، فيما يفتقر حوالي 12 مليوناً إلى خدمات مياه الشرب الآمنة، ما يبرز الفجوة الكبيرة بين الاستقرار السياسي المنشود والواقع المعيشي.
سوريا بين تنافس القوى الإقليمية والدولية
لا يمكن فصل مستقبل سوريا عن المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، حيث تتداخل مصالح الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا، إلى جانب القوى العربية والأوروبية.
وتبقى الأراضي السورية إحدى أبرز ساحات التنافس الإقليمي، في ظل استمرار الوجود العسكري الأجنبي وتعدد مناطق النفوذ، ما يجعل أي تقدم داخلي مرتبطاً بدرجة كبيرة بمسار التفاهمات الدولية.
كما أن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران ينعكس مباشرة على الساحة السورية، وهو ما ظهر مع استهداف إيران قاعدة التنف الأميركية، في مؤشر على أن سوريا لا تزال جزءاً من معادلات الصراع الإقليمي.
هل تتحول سوريا إلى مركز لوجستي جديد؟
يرى عدد من المحللين أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة، ولا سيما الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز، قد تمنح سوريا فرصة لتعزيز موقعها كممر تجاري ولوجستي يربط بين آسيا والبحر المتوسط.
ويستند هذا الطرح إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسوريا، وإمكانية تطوير موانئها وشبكات النقل فيها إذا توفرت بيئة أمنية مستقرة واستثمارات دولية كافية.
غير أن تحقيق هذا السيناريو يظل مرهوناً باستمرار الاستقرار السياسي وتراجع التوترات العسكرية التي ما تزال تهدد البلاد.
عودة اللاجئين… مؤشر إيجابي لكن غير كافٍ
منذ أواخر عام 2024، شهدت سوريا عودة أعداد متزايدة من اللاجئين إلى مناطقهم، وهو تطور يُنظر إليه بوصفه أحد مؤشرات تحسن الوضع الأمني وعودة جزء من الحياة الطبيعية.
لكن خبراء يؤكدون أن العودة المستدامة لا تعتمد على الأمن وحده، بل تتطلب توفير فرص العمل، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، وتأمين السكن والبنية التحتية، إلى جانب ترسيخ بيئة سياسية مستقرة تضمن حقوق جميع المواطنين.
طريق طويل نحو الاستقرار
رغم المؤشرات الإيجابية التي ظهرت خلال الأشهر الماضية، فإن سوريا لا تزال أمام مرحلة انتقالية معقدة، تتطلب الموازنة بين إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنعاش الاقتصاد، وتحقيق المصالحة الوطنية، وإدارة العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية.
ويبقى نجاح هذه المرحلة مرهوناً بقدرة الحكومة على تحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى استثمارات ومشاريع تنموية، وبالحفاظ على الاستقرار الداخلي في بيئة إقليمية ما تزال تتسم بالتقلبات والصراعات المستمرة.






