أعلن وزير المالية السوري محمد يسر برنية عن الانتهاء من إعداد مشروع قانون الضريبة على الدخل، في خطوة وصفها بأنها بداية لانتقال وزارته من “وزارة جباية وقهر” إلى “وزارة تنمية وبناء وشراكة”. ويأتي هذا التوجه في إطار مساعي الحكومة لإعادة صياغة المنظومة الضريبية بشكل أكثر شفافية وعدالة وتنافسية، مع تبسيط الإجراءات وتشجيع بيئة الأعمال.
إعفاءات واسعة ورسائل طمأنة
القانون الجديد تضمن سلسلة من الإعفاءات التي حملت رسائل واضحة للقطاع الاقتصادي والمجتمع، إذ لم يفرض ضرائب على التنازلات عن حصص الشركات، ولا على فروقات إعادة تقييم الأصول الثابتة، كما أعفى القطاع الزراعي وجمعياته، ودور الحضانة وأصحاب الهمم، ومؤسسات ذوي الاحتياجات الخاصة. كذلك استُبعدت عوائد الودائع المصرفية والشركات الأجنبية غير العاملة والصادرات المحلية من أي التزامات ضريبية.
هذه الإعفاءات تهدف – وفق ما يبدو – إلى تحفيز النشاط الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتخفيف الأعباء عن الشرائح الاجتماعية الأضعف.
بنية ضريبية مرنة
مشروع القانون طرح تصنيفاً مبسطاً للضرائب على الدخل، يقوم على فئتين فقط لكل من الرواتب والأعمال بعد خصم الحد المعفى، مع اعتماد حد معفى إضافي للمعالين يستفيد منه الشركاء في الشركات. كما تم إدراج حسم خاص للتبرعات الموجهة إلى مجالات المسؤولية الاجتماعية، في خطوة تعكس رغبة في ربط السياسة الضريبية بأهداف التنمية المجتمعية.
نحو شفافية ومكافحة التهرب
من أبرز ما جاء في القانون الجديد تعزيز الشفافية في النفقات المقبولة وغير المقبولة ضريبياً، وتبسيط إجراءات التدقيق من خلال اعتماد نظام إلكتروني متطور قائم على اختيار العينات عوضاً عن التدخلات الشخصية. كما نص المشروع على إلغاء الاستعلام الضريبي التقليدي، واعتماد الفاتورة الإلكترونية كأداة إلزامية، بما يفتح الباب أمام تضييق مساحات التهرب الضريبي الذي شكّل لعقود واحدة من أبرز التحديات أمام المالية السورية.
اللافت أن النص الجديد نقل عبء الإثبات من المكلف إلى الإدارة الضريبية، ما يُعتبر تحوّلاً في فلسفة العلاقة بين الدولة والمكلّف، مع تكريس حق الاعتراض والتقاضي كضمانة قانونية.
محكمة ضريبية وإصلاح في العقوبات
القانون لم يغفل الجانب القضائي، إذ نص على إنشاء محكمة ضريبية خاصة تفصل في النزاعات، مع وضع ضوابط صارمة لإجراءات الحجز على الأموال. كما ألغى عقوبة السجن في الجرائم الضريبية واستعاض عنها بعقوبات مالية، مع فتح باب المصالحة بشروط محددة، في إشارة إلى انتقال مقاربة الدولة من الطابع العقابي الصارم إلى آليات تسوية أكثر مرونة.
أبعاد سياسية واقتصادية
هذا التعديل لا يقتصر على كونه إجراءً فنياً في السياسة المالية، بل يمثل محاولة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والقطاع الخاص في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى جذب رؤوس الأموال وتخفيف الضغوط الاجتماعية. فالانتقال من صورة “الجباية” إلى “الشراكة” يشكّل جزءاً من خطاب سياسي يسعى إلى إقناع السوريين بأن الدولة في طور إعادة صياغة علاقتها بالمجتمع والاقتصاد.
غير أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهوناً بمدى تطبيق النصوص الجديدة على أرض الواقع، وقدرة المؤسسات على مكافحة التهرب الضريبي بجدية، وتوفير بيئة استثمارية مستقرة في ظل تحديات اقتصادية عميقة تعيشها البلاد.






