يدرس الإتحاد الأوروبي إعادة إطلاق اتفاقية التعاون مع سوريا، في خطوة تعكس رغبة متزايدة في الانخراط المباشر بملف إعادة الإعمار ودعم الانتقال السياسي بعد سنوات من القطيعة.
الاقتراح الذي تقدمت به المفوضية الأوروبية يأتي في سياق إعادة رسم العلاقات مع سوريا، عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد نهاية عام 2024، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الانخراط بدل العزلة.
من القطيعة إلى إعادة الانخراط
تعود جذور اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا إلى ما قبل عام 2011، حين كانت العلاقات الاقتصادية في أوجها، قبل أن تتوقف بالكامل على خلفية القمع الذي رافق اندلاع الاحتجاجات.
اليوم، وبعد أكثر من 15 عامًا من الحرب، ترى أوروبا أن الظروف تغيّرت، وأن إعادة تفعيل الاتفاق قد تشكل أداة لدعم “انتقال سلمي وشامل” في سوريا، وفق ما أعلنته المفوضية.
ومن المنتظر أن يناقش وزراء خارجية دول الاتحاد هذا المقترح خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ، في خطوة قد تحدد ملامح السياسة الأوروبية الجديدة تجاه دمشق.
أرقام تكشف حجم الانهيار
قبل تعليق الاتفاق، بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين نحو 7 مليارات يورو، ما يعكس عمق العلاقات الاقتصادية آنذاك. لكن بحلول عام 2023، تراجع هذا الرقم بشكل حاد، حيث لم تتجاوز واردات الاتحاد الأوروبي من سوريا 103 ملايين يورو، مقابل صادرات أوروبية بقيمة 265 مليون يورو فقط.
هذا الانهيار الحاد في التجارة يوازيه دمار واسع في البنية التحتية السورية، حيث يقدّر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، ما يجعل من الانخراط الدولي ضرورة اقتصادية وسياسية في آن واحد.
تعهدات مالية… ورسائل سياسية
في هذا الإطار، كانت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين قد تعهدت، عقب لقائها بالرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، بأن تبذل أوروبا “كل ما في وسعها” لدعم إعادة بناء سوريا.
كما أعلن الاتحاد الأوروبي في مارس 2025 عن حزمة مساعدات تقارب 2.5 مليار يورو على مدى عامين، في مؤشر على استعداد أوروبي للعب دور محوري في مرحلة ما بعد الحرب.
ويرى مراقبون أن هذه التعهدات لا تقتصر على البعد الإنساني، بل تحمل أبعادًا سياسية تتعلق باستعادة النفوذ الأوروبي في منطقة تشهد تنافسًا دوليًا متزايدًا.
بين إعادة الإعمار والتوازنات الجيوسياسية
إعادة تفعيل اتفاقية التعاون لا تعني فقط ضخ استثمارات أو إعادة فتح الأسواق، بل تعكس تحولًا في قراءة أوروبا للواقع السوري، حيث لم تعد سياسة العزل مجدية في ظل التغيرات الميدانية والسياسية.
في المقابل، يطرح هذا التوجه تساؤلات حول قدرة الاتحاد الأوروبي على الموازنة بين دعم إعادة الإعمار، والحفاظ على شروط تتعلق بالإصلاح السياسي وحقوق الإنسان.
كما يواجه الأوروبيون تحديًا آخر يتمثل في التنافس مع قوى دولية وإقليمية تسعى إلى ترسيخ حضورها في سوريا، ما يجعل من ملف إعادة الإعمار ساحة صراع نفوذ بامتياز.
مرحلة جديدة… بشروط معقدة
في المحصلة، يبدو أن بروكسل تتحرك نحو مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على الانخراط التدريجي بدل القطيعة، في محاولة للتأثير في مسار التحول داخل سوريا.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهونًا بمدى قدرة الأطراف المختلفة على ترجمة التعهدات إلى خطوات عملية، في بلد أنهكته الحرب، وتتشابك فيه الحسابات المحلية والدولية.




