يقدّم الكتاب الجديد «من المكتب إلى الموساد.. السنوات الأولى للموساد الإسرائيلي 1949-1963» نافذة وثائقية على جانَبٍ عمليّ من عمل جهاز الاستخبارات الإسرائيلية لا يتوافق بالضرورة مع الصورة الأسطورية التي رُسمت عنه طويلاً. اعتماد المؤلّف على أرشيف داخلي للموساد يسحب الستار عن مخططات وأدوات لم تكن متداولة على نحو واسع، ويكشف أن الجهاز منذ بداياته لم يقتصر على ما يوصف تقليدياً بمهام التجسس الخارجي والتخطيط العملياتي، بل توسّع إلى مجالات أعمق وأخطر: استغلال الشبكات الاجتماعية للجاليات، حملات ابتزاز وتشويه، واجهات اقتصادية تموّل وتُخفي نشاطات سرية، وتوظيف دبلوماسيات وهمية كغطاء للتغلغل داخل مؤسسات بعثات عربية وفلسطينية في الخارج.
شبكة العلاقات السرية
من زاوية التنظيم الداخلي، يعرض الكتاب تحوّل العمل داخل الموساد من هيئة واحدة إلى هيكلية متعددة الوحدات: «تزومت» كتخصص لتجنيد العملاء وتشغيلهم، «ميفراتز» ثم «قيسارية» للمقاتلين السريين، و«تيفيل» لشبكة العلاقات السرية مع أجهزة استخبارات أجنبية، إضافة إلى قسم «ميتسادا» للعمليات الخاصة ووحدة «كيدون» للاغتيالات. هذا التقسيم يعكس نهجاً منهجياً في توزيع المهام وتخصيص أدوات العمل، لكنه أيضاً يبيّن رغبة واضحة في توظيف كل الوسائل — الشرعية وغير الشرعية — لتحقيق أهداف سياسية وأمنية تتجاوز حدود مواجهة فعلية مع دولة أو جيش.
الوقائع والقصص الموثَّقة في الأرشيف تقدم أمثلة عملية على تكتيكات التغلغل: حالات التمويه الدبلوماسي، تجنيد عناصر من الجاليات عبر استغلال هويات مختلطة أو تغيّر ديني، واستخدام زوجين أو أسر كاملة كغطاء لعمليات طولية ضمن دول عربية. قصة «طال» التي انتحلت هوية لاجئة فلسطينية مسيحية لتعمل داخل بعثة عربية، أو حالات «موشي» و«ليدي» اللذين استغلّ أحدهما مهنته الزراعية للتجسس، توضّح قدرة الجهاز على استثمار التفاصيل الحياتية اليومية لصناعة نافذة استخباراتية تعمل بلا ضجيج. بالمقابل، تُعرض في الكتاب إخفاقات مروّعة أيضاً، مثل قضية «ديفيد ماغين» التي كشفت هشاشة استخباراتية داخلية عندما انجرّ العميل إلى قضايا مخدرات وخيانة، وأَدّت إلى إدانة وفضيحة واستنزاف موارد موساد.
حملات تشويه ممنهجة
أحد أوجه القلق التي يسلّطها الكتاب يتمثل في توظيف الموساد لآليات نفسية وإعلامية بغرض «التحكم بالوعي»: حرب شائعات، إنشاء واجهات إعلامية واقتصادية، حملات تشويه ممنهجة، وحتى استغلال تقنيات متطورة لجمع بيانات وخلق معلومات مضللة. هذه الحرب المعرفية لا تستهدف بالضرورة الحكومة أو البنى العسكرية فحسب، بل تستهدف المجتمع المدني، خصوصاً فئات الشباب والطبقات الهشة اجتماعياً، في محاولة لتشكيل بيئة داخلية وخارجية تُسهِم في فرض خيارات إقليمية وسياسية مرغوبة لإسرائيل. وصف الكتاب لوحدة «تيفل» كـ«وزارة خارجية سرية» يضع هذا النشاط في سياق مؤسسي يوازي — وفي أحيان كثيرة يتجاوز — صلاحيات القنوات الدبلوماسية الرسمية.
الطبيعة التجارية لبعض نشاطات الموساد، كما يناقش الكتاب، تكشف بعداً آخر: استخدام تبادل المعلومات بعقود تجارية أو مالية لخلق مصادر تمويل غير رسمية للعمليات، أو الاستفادة من الأسواق والقطاعات الاقتصادية كمناطق تغطية وتمويل. هذا المزج بين النشاط الاستخباراتي والمالي له تبعات أخلاقية وقانونية وسياسية: إنه يطوّع سوق المعلومات الدولية إلى سلعة، ويجعل من الأجهزة الاستخباراتية جهات فاعلة في الأسواق العابرة للحدود بآليات غير شفافة.
تكوين شبكات تجسّس
من الناحية التدريبية والثقافية داخل الجهاز، يبرز الكتاب تصوّراً يسود مزيجاً من الزهو بالقدرة والإحساس بالهشاشة، ما أدى إلى وضع معايير قاسية للاختيار والتدريب أحياناً توصف بأنها أقرب إلى اختبارات مغامرة واستعراض. حكايات عن مهام تجريبية تمتد إلى مستويات عالية من المخاطرة — مثل تكليف متقدّم بالتسلل إلى Petra والتصوير ثم العودة — تظهِر تركيزاً على بناء شخصية عميل قادرة على العمل تحت ضغط شديد، لكنه يثير تساؤلات حول مدى ملاءمة هذه الاختبارات لاقتصاد مخاطر حقيقي ومبرّر. كذلك، يبرز في الكتاب أن دافع الانتقام («نكاما») شكل في بعض مراحل التاريخ دافعاً نفسياً لهزيمة العدو وردّ الصدمة — وهو عامل ينبغي فهمه كمكوّن ثقافي وسياسي لأهداف الجهاز.
الأثر على الدول العربية والمجتمعات المهاجرة واضح ومباشر: تكوين شبكات تجسّس وسط الجاليات يمكن أن يفضي إلى ترويع الناشطين والمعارضين، إلى تجريف الثقة بين الدول والمجتمعات التي تتعاون ثقافياً واقتصادياً، وإلى تآكل ثغرات الأمن الاجتماعي التي يعتمد عليها اللاجئون والجاليات المشتتة. كما أن الاعتماد على أساليب ابتزاز واستغلال ثغرات اجتماعية يترك آثاراً بعيدة المدى على العلاقات الداخلية ويعقّد محاولات التطبيع أو التعاون دون آليات حماية واضحة.
أساليب التشويه والابتزاز
في ضوء هذه الملامح، يقدم الكتاب ضمنياً مجموعة ملاحظات إجرائية وسياسية للدول والمنظمات المتأثرة: ضرورة رفع مستوى الوعي الإعلامي والقضائي لحماية الأفراد والمؤسسات من أساليب التشويه والابتزاز، تعزيز آليات الحماية القانونية والدبلوماسية للجاليات في المهجر، مراقبة الأنشطة الاقتصادية المشبوهة التي قد تشكل واجهات استخباراتية، وتعزيز التعاون الاستخباري القانوني والشفاف بين الدول العربية لمنع اختراق شبكاتها المدنية والدبلوماسية. كما يؤكد ضرورة وجود نقاش عام وواضح حول حدود عمل الأجهزة الاستخباراتية واختصاصاتها لضمان مساءلة تضمن عدم تجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بحقوق الإنسان وسيادة الدول.
يقدم هذا الكتاب خدمة معرفية مهمة للقارئ العربي: ليس فقط بتوثيقه لوقائع تاريخية تُظهر امتداد عمل الموساد إلى ما وراء العمليات التقليدية، بل بتهيئة أرضية لفهم استراتيجي أعمق لطبيعة الخصم وأساليبه، ما يمكّن صانعي القرار والمجتمع المدني على حد سواء من بناء استجابات أقلّ انفعالاً وأكثر فعالية. المواجهة مع جهاز يعتمد على التمويه والتغلغل تتطلب تماسكاً مؤسساتياً، وضوابط قانونية، ووعيًا مجتمعياً واسعاً — هي أدوات لا تقل أهمية عن أدوات الأمن المادي في زمن صارت فيه الحرب على الوعي والتحكّم بالمعلومة جزءاً لا يتجزأ من أدوات الصراع.






