لم يكن معتز أبو دقة يحلم بالكثير. لم يشأ أن يغادر غزة أو أن يتنصل من واقعها القاسي، بل اختار أن يبقى، أن يكمل دراسته الجامعية وسط أزيز الطائرات وأشلاء الركام. أراد فقط أن يتخرّج، أن يحمل شهادة تعب لأجلها سنوات، أن يعود إلى بيته مبتسمًا ليزف فرحة الإنجاز إلى أمّه التي طالما صلّت من أجله، وإلى والده الذي كان يرى فيه الأمل الأخير لعائلة أنهكها الحصار والفقر والنزوح.
لكنّ القدر لم يُمهله. لم تتركه الحرب يلبس عباءة التخرج. لم تمنحه الفرصة ليمسك شهادته بيديه. ففي لحظة خاطفة، مزّقت شظية صاروخ أطلقته طائرة مسيّرة إسرائيلية جسده الهزيل، بينما كان يحاول أن يعود إلى والدته بكيس طحين، لا بشهادة جامعية ولا بصورة تخرّج. أراد فقط أن يطعم أهله.
وداع بين الدموع والتكبير
في خيام النزوح، لم يكن العزاء لمعتز فقط، بل لفكرة الحياة ذاتها. جلست والدته مذهولة، تغالب دموعها أمام عشرات النساء اللواتي حضرن لمواساتها. كانت تتمنى أن تزغرد له يوم تخرّجه، أن تراه يعتلي المنصة وسط تصفيق أصدقائه وأساتذته، لكنها وجدت نفسها تودّعه بين الدموع والتكبير، جثمانًا هامدًا جُلب من مستشفى ناصر، حيث سُجّي مع عشرات الشهداء الآخرين.
معتز لم يكن معتادًا على الذهاب لنقاط توزيع المساعدات. كان يخجل. كان يرى في ذلك عجزًا لا يليق بطموحه، لكنه مع ارتفاع الأسعار، وجوع العائلة، خرج أخيرًا مع صديقه إلى منطقة “موراج”، أملاً في أن يحصل على الطحين بسعر أقل. كانت رحلة قصيرة لم تطل، انتهت بصاروخ مزّق جسده وأحرق قلب عائلته.
استشهاد معتز
كان والده في البيت حين جاءه الاتصال. قيل له فقط: “معتز أصيب، تعال إلى مستشفى ناصر”. حمل الأب قلبه المذعور وركض، لا يعرف أنه ذاهب ليلتقي بابنه شهيدًا، لا مصابًا. هناك، في ساحة المستشفى، وُضع معتز بين أجساد ممزقة، لم يتبق فيها من الحياة شيء.
لكنّ الفاجعة لم تنته عند هذا الحد. بعد أيام فقط، تلقت الأم خبرًا جديدًا؛ ابن أخيها الطفل زين، ذو الثلاث سنوات، استشهد إثر قصف طال مدخل المخيم في مواصي خان يونس. والد الطفل أصيب في أمعائه، وأخوه الآخر، أسامة، شظية في الرأس. المأساة تتكاثر، والمخيم يبتلع الأحلام واحدًا تلو الآخر.
الشهادة الجامعية تتحول لشهادة وفاة
تجلس والدة معتز اليوم بين بقايا الخيمة، تحدّق في الفراغ. ترى وجه ابنها في كل طفل يركض، وتسمع صوته في كل نداء للنجدة. يختلط دعاؤها بالغضب، وبالرجاء أن يلتفت العالم — ولو مرة — إلى ما يحدث هنا. أن يفهم أن هذا الموت ليس رقمًا، بل وجوهًا، وأحلامًا، وشهادات لم تُسلّم.
إنها غزة، حيث تستبدل الشهادة الجامعية بشهادة وفاة، وتُزف الأمهات أولادهن لا إلى المستقبل، بل إلى القبور.






