تدخل الضغوط الاقتصادية على إيران مرحلة أكثر حدة، مع تراجع واضح في حركة ناقلات النفط في موانئها الرئيسية، في وقت تكثف فيه الولايات المتحدة إجراءاتها البحرية الرامية إلى خنق صادرات الخام الإيراني.
وتظهر صور الأقمار الصناعية وبيانات تتبع السفن أن حركة التصدير في أغسطس/آب تراجعت بصورة كبيرة مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر على أن القيود الأميركية بدأت تضيق هامش المناورة أمام قطاع النفط الإيراني، الذي يمثل أحد أهم مصادر إيرادات البلاد.
لكن تراجع الصادرات لا يعني بالضرورة أن طهران أصبحت مستعدة لتقديم تنازلات سياسية سريعة. فإيران لا تزال تمتلك ورقة مضيق هرمز، وتبدو مستعدة لتحمل جزء من الكلفة الاقتصادية مقابل الاحتفاظ بموقع تفاوضي قوي.
خارك.. الميناء الذي فقد حركة الناقلات
تكشف صور الأقمار الصناعية التي غطت الأيام التسعة الأولى من أغسطس/آب عن تغير لافت في حركة السفن حول جزيرة خارك، وهي أهم مركز لتصدير النفط الإيراني.
ولم تُظهر الصور ناقلات نفط عملاقة راسية في الجزيرة خلال تلك الفترة، بينما ظهرت سفينتان صغيرتان فقط في منشأتي جاسك وسروش.
ويمثل ذلك انخفاضًا حادًا مقارنة بالنصف الأول من يوليو/تموز، عندما كانت بين 7 و10 ناقلات عملاقة ترسو في خارك، إلى جانب نحو ست سفن أصغر في المحطات النفطية الثلاث.
ويعكس هذا التغير حجم التأثير الذي أحدثته القيود البحرية الأميركية على قدرة إيران على نقل النفط إلى الأسواق الخارجية.
أرصفة التصدير شبه خالية
وتشير بيانات تتبع السفن التي نقلتها فايننشال تايمز إلى أن أرصفة التحميل في جزيرة خارك ظلت خالية لأكثر من أسبوع، بينما انخفض عدد السفن المنتظرة قرب الجزيرة إلى نحو 16 سفينة، وهو أدنى مستوى منذ بداية يوليو.
وتكتسب خارك أهمية استثنائية لأنها تستوعب نحو 90% من صادرات الخام الإيراني، في ظل محدودية قدرة معظم الموانئ الإيرانية الأخرى على استقبال ناقلات النفط العملاقة.
وبالتالي، فإن تعطيل حركة خارك لا يعني مجرد انخفاض مؤقت في حركة ميناء، بل يمس مباشرة قدرة إيران على تحويل إنتاجها النفطي إلى إيرادات مالية.
واشنطن توسع نطاق الحصار
يتزامن ذلك مع تشديد الولايات المتحدة إجراءاتها البحرية ضد السفن المرتبطة بتجارة النفط الإيرانية.
وقالت القيادة المركزية الأميركية إن عملياتها في المنطقة شملت، حتى 9 أغسطس، تغيير مسار 55 سفينة تجارية، وتعطيل سفينتين، وتفتيش سفينتين للتحقق من مدى امتثالها للعقوبات والحصار الأميركي.
ومع انتشار أكثر من 20 سفينة حربية أميركية في المنطقة، باتت شركات الشحن والمشترون المحتملون للنفط الإيراني أمام مخاطر أكبر، ليس فقط بسبب العقوبات المالية، وإنما أيضًا بسبب احتمال اعتراض السفن أو تفتيشها أو إجبارها على تغيير مسارها.
وهذا يرفع كلفة نقل النفط الإيراني ويجعل عددًا أكبر من المشترين أكثر حذرًا في التعامل معه.
النفط يتراكم بدل أن يتحول إلى أموال
المشكلة بالنسبة إلى طهران لا تتوقف عند انخفاض عدد الناقلات.
فمع تراجع حركة التصدير، بدأت كميات أكبر من الخام تتراكم في الخزانات البرية وعلى متن ناقلات راسية في البحر.
وتشير بيانات كبلر إلى أن مخزونات النفط البرية الإيرانية وصلت إلى نحو 66 مليون برميل، بما يعادل نسبة امتلاء تقارب 56%، بينما بلغت نسبة امتلاء خزانات جزيرة خارك نحو 64%.
كما رُصدت ناقلات محملة بالنفط الإيراني قبالة الساحل الشرقي لماليزيا، في مؤشر على استخدام التخزين العائم لتأجيل بيع الخام إلى حين تحسن ظروف التصدير.
لكن التخزين في البحر ليس حلًا بلا نهاية؛ فكلما طال بقاء النفط على متن السفن ارتفعت التكاليف، وتقلصت قدرة المنتج على الاستمرار في استخدام الناقلات كخزانات عائمة.
الصين.. الحلقة الأكثر أهمية
تزداد الضغوط مع تراجع مشتريات المصافي الصينية المستقلة، التي تمثل واحدة من أهم قنوات تصريف النفط الإيراني.
وتعتمد إيران منذ سنوات على شبكة معقدة من الوسطاء وشركات الشحن والتجارة للالتفاف على العقوبات والوصول إلى السوق الصينية.
لكن عندما يصبح نقل النفط نفسه أكثر صعوبة وخطورة، فإن الخصم الذي تحصل عليه إيران مقابل بيع الخام قد لا يكون كافيًا لتعويض ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والمخاطر القانونية.
وهنا تبدأ العقوبات البحرية في التأثير ليس فقط على حجم النفط المباع، وإنما أيضًا على السعر الذي تستطيع طهران الحصول عليه مقابل كل برميل.
هل يدفع الضغط الاقتصادي إيران إلى التفاوض؟
من وجهة نظر واشنطن، يبدو أن الهدف واضح: زيادة الضغط الاقتصادي إلى الحد الذي تصبح معه تكلفة استمرار المواجهة أكبر من تكلفة التوصل إلى اتفاق.
لكن ريتشارد برونز، رئيس قسم الجغرافيا السياسية في شركة Energy Aspects، يرى أن نجاح الحصار في تقليص حركة الناقلات لا يعني بالضرورة أن إيران ستقدم تنازلات سريعة.
فالقيادة الإيرانية لا تزال تعتقد أنها تمتلك ورقة استراتيجية مهمة تتمثل في مضيق هرمز، وأن بإمكانها استخدامه لفرض كلفة اقتصادية مضادة على الولايات المتحدة وحلفائها.
بمعنى آخر، قد تكون واشنطن قادرة على خنق صادرات النفط الإيرانية، لكن طهران تستطيع في المقابل التأثير في أحد أهم ممرات الطاقة العالمية.
ترامب يراهن على الاقتصاد بدل القصف
وفي الوقت نفسه، يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفضل في المرحلة الحالية ترك العقوبات والحصار يؤدّيان وظيفتهما بدل اللجوء إلى موجة جديدة من الضربات العسكرية.
وقال ترامب في مقابلة مع موقع أكسيوس إن إدارته تراقب الوضع الاقتصادي الإيراني، مشيرًا إلى التضخم المرتفع وتراجع الموارد المالية، ومؤكدًا أن إيران تمر بوضع اقتصادي شديد الصعوبة.
ويعكس ذلك تحولًا مهمًا في الخطاب الأميركي: بدل التهديد بضربة جديدة، تراهن واشنطن على أن يؤدي الضغط الاقتصادي المتراكم إلى تغيير الحسابات الإيرانية من الداخل.
لكن هذا الرهان يواجه اختبارًا حقيقيًا.
معركة الصبر
قد تكون إيران في وضع اقتصادي صعب، لكن ضعف الاقتصاد لا يعني بالضرورة انهيار القدرة على التفاوض.
فطهران تستطيع تقليص الاستهلاك، واستخدام المخزونات، والاعتماد على قنوات تهريب وشبكات تجارية بديلة، وتحمل خسائر أكبر في عائدات النفط لفترة معينة.
وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها مشكلة مختلفة: كلما طال تعطيل صادرات النفط الإيرانية، زاد الضغط على أسواق الطاقة العالمية وعلى الدول التي تعتمد على استقرار حركة الملاحة في الخليج.
ولهذا فإن المواجهة تتحول تدريجيًا إلى اختبار للصبر.
هرمز.. ورقة إيران الأخيرة
تملك طهران، رغم تراجع صادراتها، ورقة لا يمكن تجاهلها: مضيق هرمز.
فالمضيق يمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب طويل الأمد فيه يمكن أن تكون تداعياته أكبر بكثير من خسارة إيران جزءًا من صادراتها النفطية.
وهنا تتشكل معادلة صعبة: واشنطن تريد استخدام النفط لإجبار إيران على التراجع، بينما تستطيع طهران استخدام هرمز للرد على الضغط ورفع كلفته عالميًا.
وبذلك لا تدور المعركة فقط حول عدد البراميل التي تخرج من إيران، بل حول من يستطيع تحمل تكلفة المواجهة لفترة أطول.
النفط يتحول إلى سلاح تفاوض
التراجع الحاد في حركة ناقلات النفط الإيرانية يثبت أن الحصار الأميركي بدأ يضغط على شريان اقتصادي أساسي لطهران.
لكن تحويل هذا الضغط الاقتصادي إلى تنازل سياسي يبقى مسألة مختلفة تمامًا.
فإيران قد تخسر مليارات الدولارات من عائدات النفط، لكنها في المقابل لا تزال تملك أدوات يمكن أن تجعل استمرار الضغط مكلفًا لخصومها.
ولهذا تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى معركة إرادات اقتصادية: واشنطن تراهن على أن يؤدي نقص الأموال وتراكم النفط غير المباع إلى دفع طهران نحو التسوية، بينما تراهن إيران على قدرتها على الصمود واستخدام هرمز كورقة مقابلة.
وفي النهاية، لن يكون السؤال فقط كم برميلًا تستطيع إيران تصديره، بل كم من الوقت يستطيع كل طرف تحمل كلفة إبقاء هذا النفط خارج الأسواق.






