لا يزال البرلمان الإيراني متردداً في اتخاذ قرار نهائي بشأن مشروع الانسحاب من «معاهدة حظر الانتشار النووي»، وسط انقسامات داخلية واضحة وضغوط متزايدة من القوى الغربية، خصوصاً بعد تفعيل آلية «سناب باك» الأوروبية لإعادة فرض العقوبات الأممية.
وبحسب مصادر برلمانية في طهران، فإن لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية لم تتمكن من حسم موقفها بسبب غياب النصاب القانوني، في وقت يضغط فيه تيار متشدد لتسريع إقرار القانون واعتباره رداً مناسباً على ما يصفونه بـ«التعنت الأوروبي».
تباين بين البرلمان ومجلس الأمن القومي
الخلافات الداخلية تركزت حول مدى أحقية البرلمان في تمرير مشروع الانسحاب دون الرجوع إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، ففي حين أكد نواب متشددون أن البرلمان يمتلك الصلاحية الدستورية الكاملة.
وأصر آخرون، مثل النائب إسماعيل كوثري، على أن القرار النهائي لا يمكن أن يُتخذ إلا بموافقة المجلس الأعلى للأمن القومي، نظراً لارتباطه المباشر بالسياسات الدفاعية العليا للبلاد.
ويعكس هذا الجدل صراعاً مؤسساتياً يضعف من قدرة النظام الإيراني على تقديم موقف موحد للخارج.
قاليباف بين التصعيد والتهدئة
رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف حاول التوفيق بين المواقف، داعياً إلى التريث قبل اتخاذ أي خطوة قد تُصعّد المواجهة مع المجتمع الدولي.
ورغم اعترافه بأن العقوبات الأممية لن يكون لها تأثير اقتصادي واسع على إيران مقارنة بالعقوبات الأميركية، فإنه شدد على ضرورة اتخاذ إجراء «رادع» يجعل السلوك الأوروبي «مكلفاً»، معتبراً أن القرار الموحد سيصدر قريباً.
تصريحات قاليباف تكشف عن محاولة لتوازن صعب بين إرضاء التيار المتشدد وتجنب صدام مباشر قد يضر بمصالح إيران.
الصحافة المتشددة تدفع باتجاه الغموض النووي
صحيفة «كيهان» المقربة من المرشد الإيراني رفعت منسوب التصعيد الإعلامي، ودعت إلى إبقاء البرنامج النووي في دائرة الغموض، معتبرة أن الوضوح قد يمنح الغرب أوراقاً إضافية للضغط على طهران.
وذهبت أبعد من ذلك بالتشكيك في جدوى العقوبات الأممية، معتبرة أنها «أضعف» من العقوبات الأميركية، وأن إيران قادرة على امتصاص آثارها. هذا الخطاب الإعلامي يعكس توجهات صقور النظام الذين يرون في الانسحاب من المعاهدة فرصة لتعزيز أوراق القوة في مواجهة الغرب.
ضغوط خارجية وأزمة ثقة داخلية
في المقابل، يرى مراقبون أن التباينات الإيرانية تكشف عن مأزق سياسي حقيقي. فإيران تواجه من جهة تصعيداً غربياً متنامياً، ومن جهة أخرى صعوبة في تحقيق إجماع داخلي حول خياراتها النووية.
آلية «سناب باك» الأوروبية وضعت طهران أمام اختبار دبلوماسي صعب، حيث تسعى القوى الكبرى إلى إعادة فرض قرارات مجلس الأمن، بينما تسعى إيران لإثبات أنها ليست الطرف الأضعف.
مأزق الشرعية الدولية
ووفقا لخبراء، فإن انسحاب إيران من «معاهدة حظر الانتشار» سيضعها في مواجهة مباشرة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويفتح الباب أمام اتهامات بالعمل على إنتاج سلاح نووي، وهذا قد يعزز عزلة إيران ويضعف من قدرتها على كسب دعم شركائها الدوليين، حتى روسيا والصين اللتين قد تترددتا في مواجهة الغرب دفاعاً عن طهران.
كما أن التباين بين البرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي يعكس غياب مركزية القرار داخل النظام. هذا الانقسام لا يضعف فقط الموقف الإيراني الخارجي، بل قد يُستغل من قبل الغرب لتشديد الضغوط، باعتبار أن إيران لا تملك استراتيجية موحدة بشأن برنامجها النووي.
البُعد الاقتصادي للصراع
رغم تصريحات قاليباف بتقليل أثر العقوبات الأممية، فإن إعادة فرضها ستزيد من عزلة إيران الاقتصادية وتُعقّد أي محاولات للحصول على استثمارات أو شراكات خارجية، ويخشى خبراء اقتصاديون من أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التدهور في قيمة العملة الإيرانية وتراجع ثقة السوق الداخلية.
وكشف محللون أن إصرار التيار المتشدد على الانسحاب من المعاهدة يعكس رغبة في تعزيز الردع العسكري أمام أي تهديد خارجي، لكن هذا الخيار قد يزيد من احتمالية اندلاع مواجهة إقليمية، خصوصاً مع إسرائيل والولايات المتحدة، اللتين تعتبران أي خروج إيراني من المعاهدة تهديداً مباشراً لأمنهما القومي.






