في أزقة غزة المدمرة، تبدو الطفولة أثقل مما يجب أن تكون. أطفال صغار بأجساد هزيلة، ووجوه شاحبة تفترش ملامحها علامات الجوع الطويل. لم يعد سوء التغذية مجرد توصيف طبي في تقارير المنظمات الإنسانية، بل صار واقعاً مريراً يلمسه كل من يلتقي طفلاً هناك.
إسراء ذات الأعوام السبعة، جلست على حجر أمام خيمة عائلتها المؤقتة في أحد مراكز النزوح. لم تعد قادرة على الجري كما كانت تفعل من قبل، فقد فقدت الكثير من وزنها، وتصف أمها أن شعرها يتساقط، وبشرتها تميل إلى الاصفرار. كل ما تحلم به الآن وجبة طعام متكاملة، فيها قطعة لحم أو كوب حليب، وهو حلم يبدو بعيد المنال وسط حصار خانق وقصف متواصل.
قصص مؤلمة
في مستشفى الشفاء، يقف الأطباء أمام مشهد لا يصدقونه. أطفال في عمر الزهور تتدلى أطرافهم النحيلة وكأنها عظام مغطاة بجلد رقيق. بعضهم يعاني من تأخر في النمو الجسدي والعقلي بسبب نقص الفيتامينات والبروتينات. يقول طبيب أطفال هناك إن أكثر ما يؤلمه ليس المرض بحد ذاته، بل شعور العجز أمام أبسط الاحتياجات التي لا يستطيع توفيرها لمرضاه: الحليب، الغذاء، الدواء.
محمد، طفل في التاسعة، يروي قصته بصوت خافت. كان يحلم أن يصبح لاعب كرة قدم، لكن جسده لم يعد يحتمل اللعب. “بطني يوجعني دائماً”، يقول وهو يضع يده على معدته الفارغة. تحاول والدته أن تهدئه بقطعة خبز يابس مغموسة بالماء، لكن ذلك لا يكفي لإسكات ألم معدته ولا أحلامه المؤجلة.
أجساد صغيرة تنهار
المأساة لا تقف عند حدود الجوع، بل تمتد إلى آثار نفسية عميقة. الأطفال الذين اعتادوا على الطعام البسيط باتوا اليوم يعيشون في قلق دائم من أن لا يجدوا شيئاً في الغد. بعضهم يستيقظ ليلاً باكياً، يطلب طعاماً لا يمكن لوالديه تأمينه. هنا يتكسر قلب الأم، وهناك يشعر الأب بالعجز الكامل، إذ لا يجد وسيلة لإطعام أطفاله وسط حصار يطبق على كل مصادر الحياة.
إنها مأساة مكتملة الأركان؛ طفولة تُسرق في وضح النهار، وأجساد صغيرة تنهار قبل أن تشتد، وأحلام تتلاشى تحت ركام الحرب والجوع. في غزة، لم يعد الحديث عن المستقبل ممكناً، لأن الحاضر نفسه أصبح معركة يومية مع الجوع، يخسرها الأطفال أولاً.






